رفيق العجم
مقدمة 21
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
ويكوّن العبر من غير إيجاد صيغ جوهرية متجدّدة . إن ابن خلدون عقل التاريخ ، وأدرك طبيعة العمران وقيام الدول ، محاولا الوصول إلى الحكمة الكاملة أي « الصيرورة الفلسفية » ، ولكنه اصطدم بعقبة تمثّلت في عدم تنصيب الإنسان كفعل وعي مجدّد ، كإبداع ، كوضع مطلق من عندياته . لهذا كانت الدورة الخلدونية التاريخية دورة مغلقة : إنها الوقوع بالدور والعودة إلى الجذر في بنيان اللغة كأبعاد غير مفكّر بها . لم نأت بجديد ربما في تقديمنا هذا ، لأن ابن خلدون قد فعلت فيه تقليدا الدراسات المتعدّدة فعلها ، وتناولته من شتّى الجوانب . لذا فإن ما هدفنا إليه هنا يكمن في إلقاء المزيد من الضوء على طبع مقدّمته العربي ، وبيان خصوصيات هذا الطبع وتأثّره تأثّرا عميقا بالبنيان الثقافي العربي والإسلامي . لقد ذكر ساطع الحصري أن عزلة ابن خلدون في قلعة ابن سلامة لهي من اللحظات الكبرى في تاريخ العقل البشري ، والتي تعبّر عن أسرار وتحتاج إلى التعرّف بشكل أعمق وأغنى « 1 » . لقد أراد القول إن ابن خلدون بدأ بالتأمّل العقلي ، إذ انتقل من المجرّب إلى المشاهد المتأمّل . وبهذا يكون التصوّر العقلي قد لعب دور التكثيف والتجميع لخلاصات التجربة . وإن القارئ للمقدّمة يعثر على جملة من مصطلحات تعبّر عن كثرة الأشياء التي يراها ابن خلدون وتنمّ عن مشاهداته ، وتؤكّد ما رجّح من أنه يرى الوقائع كثرة منتشرة يجمعها بعقله . فلقد استخدم مثلا « الموجودات ، الحادثات ، المخلوقات ، الواقعات ، المكوّنات ، الشخصيات » وكلها تعبّر ضمنيّا عن نظرته إلى الواقع . من هنا أعتقد مرجّحا أن كل باحث رأى ابن خلدون من زاوية معيّنة : ف « بوتول » ردّ نظرته إلى فلسفته الاجتماعية « 2 » ، بينما ردّها توينبي إلى فلسفة التاريخ الأصيلة في المقدّمة « 3 » . واعتبر سارطون أن المقدّمة مهّدت لأفكار سياسية واجتماعية عند مكيافللي وبودان وفيكو وكونت وغيرهم « 4 » . لكن
--> ( 1 ) الحصري ، ساطع ، دراسات في مقدمة ابن خلدون ، القاهرة ، 1961 ، ص 117 . ( 2 ) Bouthoul , G . , Ibn Khaldoun , Sa philosophie sociale , Paris , 1930 . ( 3 ) Toynbee , A . , A Study of History , London , 1935 ، T . 3 , p . 322 . ( 4 ) Sarton , G . , Introduction to the history of Science , Baltimore ، 1948 ، p . 1770 .