محمد علي التهانوي
مقدمة 31
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع ، وعربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي . مثال : ( ع ) تدلّ على صوت الزئير و ( ا ) الصوت المتكرر . ومثال الثنائي ( عو ) والثلاثي ( عوى ) « 1 » . وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات . ويماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ ، والموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد ، والأمر يحصل عند الطفل تباعا . ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار ، بحيث تقاس الإنسانية ، في تطورها نحو التجريد ، على الطفل في نموّه . أما القدماء فوقفوا عند قوله عزّ وجل القائل وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة / 31 . فعلّق الجاحظ ( 160 - 255 ه ) قائلا : « لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه . والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي . . . ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له ، وشيئا لا حسن فيه . . . ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمّن بمعنى » « وقد يكون المعنى ولا اسم له ، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى » « 2 » . وقيل أيضا : « إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له » « 3 » فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي . فاللغة وضع في أساسها ، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية ، أي ما تعارف عليه القوم ، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص « 4 » . وأعاد زكي الأرسوزي - القرن العشرين - هذا الاتجاه وتوسّع فيه ، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء ، كفرس ، من ( فرّ ) وصوت ( س ) المعبّر عن الحركة . وذهب هذا المذهب في أوروبا ( Whitney ) ، ومن أشهر مؤلفاته : ( حياة اللغة 1875 ) و ( اللغة ودراستها 1876 ) . واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى ( Semantique ) ، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى ،
--> ( 1 ) العلائلي ، عبد اللّه ، تهذيب المقدمة اللغوية ، بيروت ، دار النعمان ، 1968 ، ( 2 ) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، تحقيق عبد السلام هارون ، القاهرة ، الخانجي ، 1965 ، ج 1 ، ص 262 . ( 3 ) عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد ، القاهرة ، وزارة الثقافة ، 1961 ، ج 8 ، ص 36 . ( 4 ) الغزالي ، أبو حامد ، المستصفى من علم الأصول ، دار صادر ، ج 1 ، ص 326 .