محمد علي التهانوي
مقدمة 32
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم
واللغة والفكر ، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب ، ولا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة ، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر . فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير ؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود . أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر ؟ ويرى هردر ( 1803 - 1744 Herder ) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب ، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر . كما « أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها ، هي المنظّم لتجربتها ، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي . . . إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم » « 1 » . وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا ودلالات ، مبنى ومعنى ، وبين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم ، ويفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني . علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة ، فعملوا على الصهر بينهما » لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة » « 2 » . ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة ، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل ، « فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق ، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل . » « 3 » وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى . أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء ، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية ، وعيا أو لا وعيا . وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا وقوالبا ، نشوءا وتقعيدا ، إنشاء وعلاقات ، نحوا وتفنينا - جناس بديع كناية تورية - أصواتا ودلالية ما . وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين ، فالمعنى ينصاغ باللغة ، بحيث يتقولب فيها ، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية ، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى ، وللذهنية التي ولّدته . ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها ، فحملت
--> ( 1 ) Shaft , Adam , Langage et connaissance , Paris , Anthropos , 1967 . p . 6 . ( 2 ) التوحيدي ، أبو حيان ، البصائر والذخائر ، دمشق ، مطبعة الارشاد ، 1964 ، ج 3 ، ص 49 . ( 3 ) الجرجاني ، عبد القاهر ، دلائل الاعجاز ، ج 2 ، ص 47 .