القاضي عبد الجبار الهمذاني
84
المنية والأمل
وكنت أقعد فيه كثيرا ، قال : وفيه ابتدأت كتاب « المغنى » ببركاته . وحكى عن الرامهرمزي قال : أردت الخروج من عند أبي علي ، والانصراف إلى بلدي ، فلما استعدت للركوب في السفينة انا ورفاقي ، ذهبت لتوديع أبي علي ، ورفاقي منتظرون لي ، وجئت وهو يملي ، فودعته ، فقال : « اصبر » ، فضاق صدري بذلك خوفا من ضجر رفقائي ، فرجعت إلى توديعه ، فقال لي : « اصبر » ، فلما قرب الغروب قال : « الآن في ودائع اللّه » ، فعلمت أنه أخرني لشيء يتعلق بالاختيار . . . يعني اختيار ساعة صالحة . وهذا يدل على أن أبا علي كان له تعلق بعلم النجوم ، وأنه يقول بجواز العمل على ذلك ، من دون اعتقاد تأثير لها ، لكنها علامات لما أجرى اللّه العادة أن يفعله ، عند المقارنات المعروفة . ومما يدل على ذلك ما حكاه أبو هاشم قال : كتب إلي أبو علي في بعض الأيام ، وأنا في البدو ، أن أجمع ما حصل ، وأرجع قبل هجوم الليل ، ففعلت . فلما جنّ الليل ، وقع برد ومطر ، فسد لأجلهما أموال الناس . ولأبي علي كتب في الرد على أهل النجوم ، ويذكر ، أن كثيرا منها يجري مجرى الأمارات ، التي يغلب الظن عندها . وكان أبو محمد الرامهرمزي من أخص أصحاب أبي علي يستملي منه ، كان يجيب كثيرا من المسائل التي ترد على أبي علي . كان له حظ عظيم ، لا يوجد في زمانه ، وكتب بيده مصحفين ، صار أحدهما إلى الصاحب الكافي ، وكان الصاحب يتبجح بذلك ، ويقول : إن حروف خطه تصلح أن ينقض بها شبه المجبرة ، التي قالوا فيها : لو كان الخط من فعلنا ، لأمكننا أن نكتب ثانيا ، مثل ما كتبناه أولا ، من غير إختلاف بين الخطين بوجه من الوجوه . ومنها : رزق اللّه ، قرأ على أبي علي أولا ، ثم على أبي هاشم ، وبلغ مبلغا عظيما . قال القاضي : وكان شيخا حسنا ، حسن التعصب للمذهب ، لقى أبا علي ثم أبا هاشم ، ثم أصحابه ، ثم صار إلى بغداد ، وكان يحضر عندي .