القاضي عبد الجبار الهمذاني

40

المنية والأمل

الْمُحْصَناتُ « 1 » » إلى قوله « وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » . ثم قال : إن المنافقين هم الفاسقون ، فكان كل فاسق منافقا ، إذ كان الألف واللام ، موجودين في باب الفسق . فقال واصل : أليس اللّه تعالى قال « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » « 2 » ، وقد قال تعالى في آية أخرى « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 3 » ، فعرّف بالألف واللام كما في القاذف ، فسكت عمرو ، ثم قال واصل : « ألست تزعم أن الفاسق يعرف اللّه ؟ . . . » وذكر ما قدمنا . . . إلى آخره على ما روينا ، ثم قال : « يا أبا عثمان أيما أولى أن يستعمل من أسماء المحدثين ، ما اتفقت عليه الفرق من أهل القبلة ، أم ما اختلفت فيه ؟ » فقال عمرو : « بل ما اتفقت عليه » . فقال : « أفليس تجد أهل الفرق - على اختلافهم - يسمون صاحب الكبيرة فاسقا ، ويختلفون فيما عداه من أسمائه ، فالخوارج تسميه كافرا وفاسقا ، والمرجئة تسميه مؤمنا فاسقا ، والشيعة تسميه كافر نعمة فاسقا ، والحسن يسميه منافقا ، فأجمعوا على تسميته بالفسق ، فنأخذ بالمتفق عليه ، ولا نسميه بالمختلف فيه ، فهو أشبه بأهل الدين . فقال عمرو : « وما بيني وبين الحق من عداوة ، والقول قولك ، وأشهد من حضر ، أنى تارك ما كنت عليه من المذهب ، قائل بقول أبي حذيفة » . فاستحسن الناس ذلك من عمرو ، إذ رجع عن قول كان عليه ، إلى قول آخر ، من غير شغب ، واستدلوا بذلك على ديانته . قال الشريف المرتضى : « ما أورده واصل لعمرو غير لازم له ، لأن عمروا كان يسميه فاسقا ، وإنما كان عليه أن يبين ، هل يسمى بغير ذلك أم لا ؟ » . قال الحاكم ، « وهذا اعتراض فاسد ، لأن واصلا ألزمه في مسألة القذف كما ذكرنا ، ثم جعل هذا تأكيدا ، بأن هذا القول مجمع عليه ، وما عداه مختلف فيه ، ولم يقم عليه حجة ، ولو جعل ذلك ابتداء دليل ، لم يصح » . قلت : « بل يصح عندنا ، مع قولنا بصحة الاستدلال بالاجماع المركب ، كدليل قصر

--> ( 1 ) 4 م النور 24 . ( 2 ) 45 م المائدة 5 . ( 3 ) 254 م البقرة 2 .