القاضي عبد الجبار الهمذاني

168

المنية والأمل

ومن العجب ، أن حدوث الجسم وفناءه ، عنده ، « عرضان » فكيف يقول إنها من فعل الأجسام ؟ ، وإذا لم يحدث الباري تعالى « عرضا » فلم يحدث الجسم وفناءه ؟ فإن الحدوث « عرض » ، فيلزمه أن لا يكون للّه تعالى فعل أصلا . ثم ألزم ، أن كلام الباري تعالى ، إما « عرض » ، أو ( جسم ) . فإن قال هو « عرض » ، فقد أحدثه الباري تعالى ، فإن المتكلم على أصله ، هو من فعل الكلام ، أو يلزمه ، أن لا يكون للّه تعالى كلام هو « عرض » . وإن قال هو « جسم » ، فقد أبطل قوله ، إنه أحدثه في محل ، فإن الجسم لا يقوم بالجسم ، فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأزلية ، ولا قال بخلق الأعراض ، فلا يكون للّه تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه . وإذا لم يكن له كلام ، لم يكن آمرا ناهيا ، وإذا لم يكن أمر ونهي . لم تكن شريعة أصلا ، فأدى مذهبه إلى خزي عظيم . ومنها أنه قال إ : إن « الأعراض » لا تتناهى في كل نوع . وقال : كل « عرض » قام بمحل ، فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام ، وذلك يؤدي إلى « التسلسل » . وعن هذه المسألة ، سمّي هو وأصحابه « أصحاب المعاني » . وزاد على ذلك ، فقال : « الحركة » إنما خالفت « السكون » ، لا بذاتها ، بل بمعنى أوجب المخالفة . وكذلك ، مغايرة المثل المثل ، ومماثلة ، وتضاد الضد الضد ، كل ذلك عنده بمعنى . ومنها ، ما حكى « الكعبي » عنه : أن الإرادة من اللّه تعالى للشيء ، غير اللّه ، وغير خلقه للشيء ، وغير الأمر ، والأخبار ، والحكم ، فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف . وقال : ليس للإنسان فعل سوى « الإرادة » ، مباشرة كانت ، أو توليدا . وأفعاله التكليفية : من القيام ، والقعود ، والحركة ، والسكون ، في الخير والشر . . . كلها مستندة إلى إرادته ، لا على طريق المباشرة ، ولا على طريق « التوليد » ، وهذا عجب ، غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان .