القاضي عبد الجبار الهمذاني
169
المنية والأمل
وعنده : الإنسان معنى أو جوهر ، غير الجسد ، وهو : عالم ، قادر ، مختار ، حكيم ، ليس بمتحرك ، ولا ساكن ، ولا متكون ، ولا متمكن ، ولا يرى ، ولا يمس ، ولا يحس ، ولا يجس ، ولا يحل موضعا دون موضع ، ولا يحويه مكان ، ولا يحضره زمان ، لكنه مدبر للجسد ، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف . وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة ، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما ، هو جوهر قائم بنفسه ، لا متحيز ، ولا متمكن . وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية ، مثل العقول المفارقة . ثم لما كان ميل « معمر بن عباد » إلى مذهب « الفلاسفة » ، ميز أفعال النفس التي سماها « إنسانا » ، وبين القالب الذي هو جسده ، فقال : فعل النفس هو « الإرادة » ، فحسب ، والنفس إنسان ففعل الإنسان هو « الإرادة » وما سوى ذلك من الحركات ، والسكنات ، والاعتمادات ، فهي من فعل الجسد . ومنها ، أنه يحكى عنه : أنه كان ينكر القول ، بأن اللّه تعالى « قديم » ، لأن « قديم » أخذ من قدم يقدم فهو « قديم » ، وهو « فعل » كقولك : أخذ منه ما قدم وما حدث . وقال أيضا : هو يشعر بالتقادم الزماني ، ووجود الباري تعالى ليس بزماني . ويحكى عنه أيضا أنه قال : الخلق غير المخلوق ، والإحداث غير المحدث . وحكى « جعفر بن حرب » عنه أنه قال : إن اللّه تعالى ، محال أن يعلم نفسه ، لأنه يؤدى إلى ألا يكون العالم والمعلوم واحدا ، ومحال أن يعلم غيره ، كما يقال : محال أن يقدر على الموجود ، من حيث هو موجود . ولعل هذا الفعل فيه خلل ، فإن عاقلا ما ، لا يتكلم بمثل هذا الكلام الغير المعقول . لعمري ! لما كان الرجل يميل إلى « الفلاسفة » ، ومن مذهبهم ، أنه ليس « علم » الباري تعالى علما انفعاليا ، أي تابعا للمعلوم ، بل علمه علم فعلي ، فهو من حيث هو عاقل « عالم » ، وعلمه هو الذي أوجب الفعل ، وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة ، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه ، وأنه « علم » و « عقل » ، وكونه عاقلا ، ومعقولا ، شيء واحد ، فقال « ابن عباد » : لا يقال يعلم نفسه ، لأنه يؤدى إلي تمايز بين العالم والمعلوم ، ولا يعلم غيره ، لأنه يؤدي إلى كون « علمه » من غيره يحصل . فإما أن لا يصح