ملا نعيما العرفي الطالقاني
64
منهج الرشاد في معرفة المعاد
هذا العالم وعلائقه إلّا أن يكون أشدّ العلاقة مع ذلك العالم ، فصار له شوق إلى ما هناك وعشق لما هناك ، فصدّه عن الالتفات إلى ما خلفه جملة . ونقول أيضا : إنّ هذه السعادة الحقيقية لا تتمّ إلّا بإصلاح الجزء العمليّ من النفس ، ونقدّم لذلك مقدّمة ، وكأنّا قد ذكرناها فيما سلف . فنقول : إنّ الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدّم رويّة ، وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسّط بين الخلقين الضدّين ، لا بأن يفعل أفعال التوسّط دون أن تحصل ملكة التوسّط ، بل أن تحصل ملكة التوسط ، وملكة التوسّط كأنّها موجودة للقوى الناطقة وللقوى الحيوانيّة معا ، أمّا للقوّة الحيوانيّة فبأن يحصل فيها هيئة الإذعان ، وأمّا للقوّة الناطقة فبأن يحصل فيها هيئة الاستعلاء والانفعال ، كما أنّ ملكة الإفراط والتفريط موجودة للقوّة الناطقة وللقوّة الحيوانيّة ولكن بعكس هذه النسبة ، ومعلوم أنّ الإفراط والتفريط مقتضيا القوى الحيوانيّة ، وإذا قويت القوى الحيوانيّة وحصل له ملكة استعلائيّة ، حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانيّة ، وأثر انفعاليّ قد رسخ في النفس الناطقة من شأنها أن تجعلها قويّة العلاقة مع البدن شديدة الانصراف إليه . وأمّا ملكة التوسّط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانقياديّة وتبقية النفس على جبلّتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزّه ، وذلك غير مضادّ لجوهرها ولا مائل لها إلى جهة البدن بل عن جهته ، فإنّ التوسط يسلب عنه الطرفين « 1 » دائما . ثمّ جوهر النفس إنّما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصّه عن طلب الكمال له . وعن الشعور بلذّة الكمال إن حصل له ، والشعور بألم الكمال إن قصر عنه ، لا بأنّ النفس منطبعة في البدن أو منغمسة فيه ولكن للعلاقة التي كانت بينها وهي الشوق الجبليّ إلى تدبيره والاشتغال بآثاره ، فربّما يورده عليها من عوارضه وبما يتقرّر فيها من ملكات مبدؤها البدن ، فإذا فارقت وفيها الملكة الحاصلة بسبب الاتّصال به كانت قريبة الشبه من حالها وهي فيه ، فبما تنقص من ذلك تزول غفلتها عن حركة الشوق الذي لها إلى كمالها ، وربّما
--> ( 1 ) - في المصدر : الطرفان .