ملا نعيما العرفي الطالقاني

65

منهج الرشاد في معرفة المعاد

يبقى منه معها تكون محجوبة النسبة عن الاتّصال الصرف بمحلّ سعادتها ويحدث هناك من الحركات المتشوّقة ما يعظم أذاها . ثمّ إنّ تلك الهيئة البدنيّة مضادّة لجوهرها مؤذية لها ، وإنّما كان يلهيها عنها أيضا البدن وتمام انغماسها فيه ، فإذا فارقت النفس البدن أحسّت بتلك المضادّة العظيمة وتأذّت بها أذى عظيما ، لكنّ هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر لازم بل لأمر عظيم « 1 » غريب ، والأمر العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ، ويزول ويبطل مع زوال « 2 » الأفعال التي كانت تثبت تلك الهيئة بتكرّرها ، فيلزم إذن أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك غير خالدة ، بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتّى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصّها . وأمّا النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ، فإنّها إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة للهيئات الرديّة صارت إلى سعة من رحمة اللّه ونوع من الراحة . وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنيّة الرديّة وليس فيها هيئة غير ذلك ولا معنى يضادّه ولا ما ينافيه ، فتكون - لا محالة - ممنوّة بشوقها إلى مقتضاها فتتعذّب عذابا شديدا بفقد البدن ومقتضيات البدن ، من غير أن يحصل المشتاق إليه ، لأنّ آلة ذلك قد بطلت وخلق التعلّق بالبدن قد بقي . ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقّا ، وهو : أنّ هذه الأنفس إن كانت زكيّة وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لأمثالهم على سبيل ما يمكن أن يخاطب به العامّة ، وتصوّر من ذلك في أنفسهم ، فإنّهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي هي فوقهم ، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة ، ولا شوق كمال ليشقوا تلك الشقاوة ، بل جميع هيآتهم النفسانيّة متوجّهة نحو الأسفل ، منجذبة إلى الأجسام ؛ ولا منع في المواد السماويّة عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها . قالوا : فإنّها تتخيّل جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخرويّة ، وتكون الآلة التي يمكنها بها التخيّل شيء من الأجرام السماويّة ، فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخرويّة ، وتكون الأنفس الرديّة أيضا تشاهد العقاب بحسب ذلك

--> ( 1 ) - في المصدر : بل لأمر عارض قريب . ( 2 ) - في المصدر : مع ترك الأفعال . . .