ملا نعيما العرفي الطالقاني
61
منهج الرشاد في معرفة المعاد
فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كلّه ، مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحقّ ، ومتّحدا به ومنتقلة بمثاله وهيئته ، ومنخرطة في سلكه ، وصائرة من جوهره ، وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى توجد في المرتبة بحيث يصحّ « 1 » معها أن يقال إنّه أفضل وأتمّ منها ، بل لا نسبة إليها بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة وسائر ما يتمّ بدوام « 2 » إلذاذ المدركات كما ذكرناه . وأمّا الدوام ، فكيف يقاس الدوام الأبديّ بدوام المتغيّر الفاسد . وأمّا شدّة الوصول ، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتّى يكون كأنّه هو بلا انفصال ، إذ العاقل والمعقول شيء واحد أو قريب من الواحد . وأمّا أنّ المدرك في نفسه أكمل ، فأمر لا يخفى . وأمّا أنّه أشدّ إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمّل وتذكّر منك لما سلف بيانه ، فإنّ النفس النطقيّة أكثر عدد مدركات وأشدّ تقصّيا للمدرك وأشدّ تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلّا بالعرض ، ولها الخوض في بطن المدرك وظاهره ، بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك ، وكيف يقاس هذه اللذّة باللذّة الحسّيّة والوهميّة والغضبيّة ؟ ولكنّا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في الرذائل لا نحسّ بتلك اللذّة إذا حصل عندنا شيء من أسبابها كما أومأنا إليه في بعض ما قدّمناه من الأصول ، ولذلك لا نطلبها ولا نحنّ إليها . اللهمّ إلّا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما من أعناقنا وطالعنا شيئا من تلك اللذّة ، فحينئذ ربّما تخيّلنا منها خيالا طفيفا ضعيفا « 3 » وخصوصا عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينيّة « 4 » ونسبة التذاذنا ذلك نسبة التذاذ الحسّ بتنشّق روائح المذاقات اللذيذة إلى الالتذاذ بتطفّفها ، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود . وأنت تعلم إذا تأمّلت عويصا يهمّك وعرضت عليك شهوة وخيّرت بين الظفرين
--> ( 1 ) - في المصدر : بحيث يقبح معها . . . ( 2 ) - في المصدر : وسائر ما يتم به إلذاذ . . . ( 3 ) - في المصدر : خيالا طفيفا وخصوصا . . . ( 4 ) - في المصدر : النفسيّة . . .