ملا نعيما العرفي الطالقاني
62
منهج الرشاد في معرفة المعاد
استخففت بالشهوة ، إن كنت كريم النفس ، والأنفس العاميّة أيضا فإنّها تترك الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تغيّر أو سوء قالة « 1 » ، وهذه كلّها أحوال عقليّة بعضها أضداد بعضها ، يؤثر على ما يؤثر في أضدادها على المؤثّرات الطبيعيّة ، ويصبر لها على المكروهات الطبيعيّة ، فيعلم من ذلك أنّ الغايات العقليّة أكرم على الأنفس في محقّرات الأشياء ، فكيف في النبيهة « 2 » العالية ، إلّا أن الأنفس الخسيسة تحسّ بما يلحق المحقّرات من الخير والشرّ ولا يحسّ بما يلحق الأمور النبيهة ، لما قيل من المعاذير . وأمّا إذا انفصلنا عن البدن وكانت النفس منّا تنبّهت في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصّله ، وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالعقل أنّه موجود ، إلّا أنّ اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها ، كما ينسي المرض الحاجة إلى بدل ما يتحلّل ، وكما تنسي الأمراض الاستلذاذ بالحلو واشتهاءه ، وتميل بالشهوة من المريض إلى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه كفاء ما يعرض من اللذّة التي أوجبنا وجودها ودلّلنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعد لها تفريق النار للاتّصال وتبديل الزمهرير للمزاج ، فيكون مثلنا مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف ، أو الذي عمل فيه نار أو زمهرير ، فمنعت المادّة الملابسة وجه الحسّ عن الشعور به ، فلم يتأذّ ، ثمّ عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم . وأمّا إذا كانت القوّة العقليّة بلغت من النفس حدّا من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التامّ الذي لها أن تبلغه ، كان مثلها « 3 » الخدر الذي أذيق المطعم الألذّ ، وعرض لحالته أن لا يشتهي ، وكان لا يشعر به ، فزال عنه الخدر فطالع اللذّة العظيمة دفعة ، ويكون تلك اللذّة لا من جنس اللذّة الحسّيّة والحيوانيّة بوجه ، بل لذّة تشاكل الحال الطيّبة التي للجواهر الحيّة المحضة ، وهي أجلّ من كلّ لذة وأشرف . فهذه هي السعادة ، وتلك هي الشقاوة . وتلك الشقاوة ليست تكون لكلّ واحد من الناقصين ، بل
--> ( 1 ) - في المصدر : استقباح أو خجل أو تغيّر أو سوء قالة . . . . ( 2 ) - في المصدر : . . في الأمور البهيّة العالية . . . ( 3 ) - في المصدر : . . مثل الخدر .