ملا نعيما العرفي الطالقاني
56
منهج الرشاد في معرفة المعاد
والاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا ، وطول العهد منسيا ، لا يخفى أنّه من قبيل الخرافات والأباطيل ، يشهد بذلك أنّه لو كان ما ذكره هذا القائل حقّا ، لكانت النفس في النشأة البرزخيّة والنشأة الأخرويّة لا تتذكّر شيئا من ذلك ، وقد ورد التنزيل وأخبار المخبرين الصادقين عليهم السّلام بخلافه . والثاني : أي زوال تلك الفعليّة عنها وصيرورتها بالقوّة بالنسبة إليها محال أيضا ، إذ يلزم أن تكون تلك النفس قد حصلت لها فعليّة ما أوّلا ثمّ ترجع إلى القوّة المحضة والاستعداد الصرف ، أي أن تكون نفس تجاوزت درجة النبات والحيوان فرجعت قهقرى إلى المرتبة المنويّة وإلى مرتبة الجنين ، حيث إنّها في أوّل كونها وتعلّقها بالبدن بالقياس إلى كمالاتها بالقوّة المحضة ، وانقلاب ما بالفعل - من حيث هو بالفعل - إلى ما بالقوّة المحضة من حيث هو بالقوّة محال بالضرورة . وأمّا التمنّي الذي حكى اللّه سبحانه عن الأشقياء بقوله : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) ) « 1 » فهو تمنّي أمر مستحيل . مثل التمنّي الذي حكاه تعالى عنهم بقوله : نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) ) . « 2 » وبعبارة أخرى أنّا نعلم يقينا أنّه لا يبقى للنفس المستنسخة تلك الفعليّة ، بل تصير بالقوّة ، وصيرورة الفعليّة قوّة محال بالضرورة . وهذا البرهان على ما قرّرناه لا يخفى على المستبصر المسترشد أنّه برهان واضح تامّ على هذا المطلوب غير مبنيّ على حدوث النفس . وكذا هو كما أنّه جار في إبطال التناسخ جار أيضا في إبطال المسخ والرسخ والفسخ جميعا . بل ربّما يدّعي أنّ جريانه في ذلك أظهر منه فيه باعتبار حيث إنّ بقاء تلك الفعليّة للنفس المستنسخة المنتقلة إلى الجماد مثلا ، بل إلى النبات والحيوان أيضا ظاهر البطلان غاية الظهور ، لا يدّعي خلافه من له أدنى مسكة . والقول بأنّه ربّما كانت تلك الفعليّة باقية لها في هذه الصور ، وأنّ النفس المستنسخة إلى الجماد أو إلى النبات أو إلى الحيوان ربّما كانت تتذكّر شيئا من أحوالها السابقة ، إلّا أنّا لا نعلم ذلك ولا نفهمه منها ، قول في غاية السقوط ، بل هو هذيان محض ، وكيف تكون
--> ( 1 ) - النبأ ( 78 ) : 40 . ( 2 ) - الأعراف ( 7 ) : 53 .