ملا نعيما العرفي الطالقاني

159

منهج الرشاد في معرفة المعاد

لقبول النفس الناطقة ، فحينئذ يوجد النفس . - فهذا ما قال هذا الفاضل فيه . أقول : وقال الشيخ في الفصل الثالث من المقالة من علم النفس في الشفاء : فالنفس التي لكلّ حيوان هي جامعة اسطقسات بدنه ومؤلّفها ومركّبها على نحو يحصل معه أن يكون بدنا لها ، وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي . « 1 » فقول الشيخ في الشفاء والإشارات ، يخالف ما ذهب إليه الفاضل الشارح هاهنا وما نقله عن الشيخ في رسالته . وأيضا إن كانت نفس الامّ مدبّرة للمزاج فكيف فوّضت التدبير بعد مدّة إلى الناطقة ، وإنّما يجري أمثال هذا بين فاعلين غير طبيعيّين يفعلان بإرادات متجدّدة ، وإن كانت القوّة المصوّرة مدبّرة ، والمصوّرة من القوى الخادمة للنفس التي تكون بمنزلة آلات لها ، فكيف حدثت المصوّرة قبل حدوث النفس التي هي مخدومتها ، وكيف فعلت بذاتها ، فإنّ الآلة ليس من شأنها أن تفعل من غير مستعمل إيّاها ، وما يقتضيه القواعد الحكميّة التي أفادها الشيخ وغيره ، هو أنّ النفس الأبوين تجمع بالقوّة الجاذبة أجزاء غذائيّة ، ثمّ تجعلها أخلاطا ، وتفرز منها بالقوّة المولدة مادة المنيّ ، وتجعلها مستعدّة لقبول قوّة من شأنها إعداد المادة لصيرورتها إنسانا ، فتصير بتلك القوّة منيّا ، وتلك القوة تكون صورة حافظة لمزاج المنيّ ، كالصور المعدنيّة ، ثمّ إنّ المنيّ يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدّا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع حفظ المادّة الأفعال النباتية ، فتجذب الغذاء وتضيفها إلى تلك المادّة فتنميها ويتكامل المادّة بتربيتها إيّاها فتصير تلك الصورة مصدرا مع ما كان يصدر عنها لهذه الأفاعيل ، وهكذا إلى أن تصير مستعدّة لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع جميع ما تقدّم الأفعال الحيوانية أيضا فيصدر عنها تلك الأفعال أيضا ، فيتمّ البدن ويتكامل إلى أن يصير مستعدّا لقبول نفس ناطقة يصدر عنها مع جميع ما تقدّم النطق ، وتبقى مدبّرة في البدن إلى أن يحلّ الأجل . وقد شبّهوا تلك القوى في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها نفسا مجرّدة بحرارة تحدث في فحم من نار مشتعلة تجاوره ثمّ تشتدّ ، فإنّ الفحم بتلك الحرارة يستعدّ لأن يتجمّر ، وبالتجمّر يستعدّ لأن يشتعل نارا شبيهة بالنار المجاورة ، فمبدأ الحرارة الحادثة في الفحم ، كتلك الصورة الحافظة ، واشتدادها كمبدإ الأفعال النباتية ، وتجمّرها كمبدإ

--> ( 1 ) - الشفاء ، الطبيعيات ، الفصل الثالث في أنّ النفس داخلة في مقولة الجوهر : 25 ، طبع القاهرة .