الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
444
المنقذ من التقليد
الدواعي كما تتوفر إلى نقل أحدهما تتوفر إلى نقل الآخر ، بذلك جرت العادة ، والطباع مجبولة على ما ذكرناه ، الا ترى أنّه لو سقط الخطيب من المنبر يوم الجمعة والعياذ باللّه بحضور القوم ووقعت فتنة في الجامع بسبب من الأسباب ، فانّه كما ينقل أحدهما ينقل الآخر ، ولا يجوز ولا يتصوّر من طريق العادة أن ينقل السقوط ولا ينقل الفتنة أو على العكس ، هذا مع أنّه لا حاجة للناس ماسّة إلى نقل أمثال هذا ، فكيف إذا كان الواقع أمرا تمسّ الحاجة إلى نقله ، كالمعارضة التي كانت حاجة أعداء النبيّ ماسّة إلى إظهارها ونقلها أن لو كانت ، فانّهم بذلك كانوا يتخلّصون ممّا ألزمهم النبيّ عليه السلام . ونظير مسألتنا أن يقوم مصارع في بلد ويدّعي تميّزه عن سائر أقرانه في المصارعة وأنّه يغلبهم ولا يغلبه أحد منهم ويشيع ويفشي هذه الدعوى منه ثمّ يقوم في مقابلته واحد ويصارعه ويصرعه ويغلبه ويبطل دعواه ، أفيتصوّر أن ينقل دعوى المصارع تميّزه عن الأقران ولا ينقل بطلان دعواه بغلبة غيره عليه وقهره له ، أو يشيل واحد حجرا ثقيلا ويدّعي تميّزه عن الأقران بإشالته ، فيجيء واحد ويشيل مثل إشالته ، ويبطل بذلك دعواه ، أفيمكن من حيث العادة أن ينقل أحد الأمرين دون الاخر ؟ مع أنّهما جميعا وقعا ظاهرين ؟ ووجه آخر في بيان وجوب ظهور المعارضة ونقلها لو كانت . وهو أنّه لو وقعت المعارضة لكانت هي الحجّة ، والقرآن شبهة ، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة ، فكان يجب على الحكيم تعالى أن يقوي دواعي الناقلين إلى نقلها لينقلوها إزاحة لعلّة المكلّفين . وليس لأحد ان يدّعي أنّهم عارضوه ولكنّهم لم يظهروا المعارضة . وذلك لأنّ ما يدعوهم إلى المعارضة يدعوهم إلى إظهارها وهو طلب التخلّص ممّا ألزمهم من خلع الديانات والعبادات وبطلان الرئاسات التي ألفوها ونشئوا عليها . ولهذا أظهروا كلام مسيلمة مع سخافته وركاكته وبعده عن دخول الشبهات فيه ونقلوه ، فكيف لم ينقلوا ما فيه شبهة قويّة أو هو حجّة .