الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
445
المنقذ من التقليد
فيتقرّر بما ذكرناه أنّه لو وقعت المعارضة من العرب لوجب نقلها والعلم بها ، وإذا لم تنقل ولم تعلّم دلّ على أنّها لم تكن ، لأنّ كلّ أمر يكون ممّا لو كان لوجب أن ينقل ، فانّه إذا لم ينقل نعلم بذلك أنّه لم يكن ، ولهذا نعلم أنّه ليس بين بغداد والبصرة بلدة أكبر منهما ، وانّه لم يكن مع النبيّ عليه السلام نبيّ آخر ، وأنّه لم يكن له هجرة إلى خراسان ولم يكن له حروب اخر تجري مجرى بدر وحنين ، وأنّه عليه السلام لم يتعبد بالحجّ إلى بيت بالعراق وبصلاة سادسة ، لأنّه لو كان شيء من ذلك لنقل وعلم . فعند هذا البيان نقول للمنازع : لم يخل الحال في المعارضة من أحد أمرين ، إمّا ان لم يكن أصلا والبتة ، أو كان ولكنّها لم تنقل ، فإن كان القسم الأوّل - وهو أنّهم لم يعارضوه - ثبت ما أردناه من عدم المعارضة مع طول المدّة ، فترتّب عليه بقيّة كلامنا في الاحتجاج ، وإن كان القسم الثاني - وهو أنّ المعارضة ، وقعت منهم ، ولكنّها لم تنقل ، مع ما قد بيّنا من وجوب نقلها من طريق العادة لو كانت كان ذلك انتقاضا للعادة ، فيدلّ على صدقة عليه السلام في دعواه إذ قد ظهر عليه على هذا لفرض خارق عادة من جهته تعالى . وإنما قلنا إنّ ذلك يكون من جهته تعالى ، لأنّهم إنّما لم ينقلوها من حيث إنّه تعالى صرفهم عن نقلها ، وضعّف دواعيهم عن نقلها ، هذا ، كما لو فرصنا كون بلدة بين بغداد والبصرة أكبر منهما ، ثم لا ينقل كون تلك البلدة بوجه من الوجوه ، أليس يكون ذلك نقض عادة ولا يتصوّر أن يكون ذلك على طول الزمان إلّا بأنّ يصرف اللّه تعالى عن نقل ذلك . فإنّ قيل : ما ذكرتموه إنّما يكون فيه انتقاض العادة ان لو لم ينقلوها مع عدم الموانع والصوارف ، فلعلّه كان هناك مانع من نقل المعارضة وهو الخوف من أنصاره والمتديّنين بشرعه ، وهم كثيرون يخاف جنيبتهم . كما تقولون أنتم لمخالفكم في نقل النصّ الجلي بالإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام .