الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

439

المنقذ من التقليد

وبعد ، فإذا ثبت نبوّة نبيّنا عليه السلام بما ظهر عليه من المعجزات ، على ما نبيّنه إن شاء اللّه تعالى ، بطل قول من ادّعى تأبيد شرع موسى أو غيره من الأنبياء عليهم السلام ، لأنّه لو صحّ تأبيد شرع واحد منهم لما دلّت المعجزات التي قامت وظهرت عليه على نبوّته عليه السلام وصحة شرعه مع ما فيه من مخالفة الشرائع المتقدّمة في أكثر الأحكام . فإن قيل : لم صرتم بأن تنظروا في معجزات نبيّكم ، فتعلموا بها صحة نبوّته وبطلان ما تمسّكنا به من الخبر المقتضي بظاهره لدوام شرع موسى وتأبيده أو صحّة تأويله على ما تأوّلونه عليه أولى من أن تنظروا أوّلا في خبرنا فتعلموا صحّته ، وإذا علمتم صحّته قطعتم على بطلان نبوّة من تدّعون نبوّته . قلنا : صحّة معجز نبيّنا الذي هو أظهر آياته ومعجزاته ، وهو القرآن الموجود في أيدينا مبنيّة على أمور عقليّة لا يدخلها الاحتمال والاشتباه لأنّها مبنيّة على ظهور القرآن عليه وتحدّيه العرب به وأنّهم لم يعارضوه . وذلك كلّه معلوم ضرورة وعلما لا يدخله شكّ وريب مثل العلم بالبلدان والوقائع والعلم بأنّ ما هذا صفته معجز دالّ على صدق من ظهر عليه طريقه أيضا اعتبار العقل الذي لا يدخله الاحتمال . وليست هذه المباني والقواعد ولا واحد منها من جنس الكلام الذي يدخله الاحتمال والحقيقة والمجاز والعمل بظاهره أو تركه . والاستدلال بالخبر الذي تدّعونه مبنيّ على صحّته لا يعلم إلّا بعد أن يعلم أنّ صفة التواتر ثابتة في جميع أسلاف اليهود في كلّ زمان ، ثمّ إذا صحّ وثبت نقله فهو كلام يدخله الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم ، والاحتمال للتأويل المخالف لما يقتضيه ظاهره . إذا تقرّر هذا ، فمعلوم أنّ التمسّك بما لا يحتمل والنظر فيه وبناء المحتمل عليه أولى من عكسه ، وهو التمسّك بالمحتمل « 1 » والنظر فيه وبناء ما لا يحتمل عليه ،

--> ( 1 ) م : بالمجمل .