الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
438
المنقذ من التقليد
على أنّه من بني هارون ، لا من نظنّه كذلك . وإذا لم نعلم بني هارون قطعا زال التعبّد بذبح البقرة لزوال شرطه . فيقال لهم : إنّ موسى عليه السلام هل بيّن هذا الشرط أم لا ؟ إن قالوا : لا ، وإنّما بينه نبيّ بعده . قلنا لهم : فجوّزوا أن يكون من شرط التمسّك بالسبت أن لا يبعث نبيّ من العرب . ولم يبيّن ذلك موسى ، وإنّما بيّنه محمّد عليه السلام . وإن قالوا : إن موسى عليه السلام بيّن انقطاع التعبّد بذبح البقرة . قلنا : فكان يجب أن ينقل ذلك عنه وأنتم لا تنقلون هذا عنه . فإن قالوا : نحن نعلم أنّ موسى عليه السلام كان يتديّن بدوام شرعه وأن لا ينقطع ولا ينسخ بمثل ما تعلمون أنتم أنّ نبيّكم كان يعتقد ويتديّن بأنّ شريعته لا تنسخ ولا يحتجّ في ذلك بألفاظ التأبيد ، حتّى تردّوا علينا بما رددتموه قلنا : نحن نعلم علما لا يخالطه « 1 » شكّ وريب انّ نبينا عليه السلام كان يتديّن بأنّ شرعه لا ينسخ وأنّه خاتم النبيين ، مثل علمنا بالبلدان والوقائع ومثل علمنا بوجوده تعالى وادّعائه النبوّة لا يمكنكم أن تدّعوا مثل ذلك ، لأنّه لو كان كذلك لوجب في كلّ من خالطكم أن يعلم ذلك . وخلافه معلوم ، لأنّا نعلم ذلك والنصارى على كثرتهم وقراءتهم لكتبكم لا يعلمون ذلك ، وجماعة منكم لا يعلمون ذلك بل يقولون : الأمر فيه مشتبه ، ويقتصرون على مطالبتنا بالمعجزة ألا ترى أنّ العلم بتديّن نبيّنا عليه السلام بدوام شرعه وكونه خاتم النبيين ، لما كان على الحدّ الذي وصفناه ، شاركنا فيه المسلم وغير المسلم والصديق والعدوّ . فكلّ من علم وجوده وادّعاءه النبوة علم انّه كان يتدين بما ذكرناه ، ومثل هذا لا يمكنكم ادّعاؤه .
--> ( 1 ) م : يتخالجه .