الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
422
المنقذ من التقليد
فانكشف بما ذكرنا أنّ النبيّ لا يأتي إلّا بما يوافق العقل ولكن موافقة لا يستغنى فيها عنهم عليهم السلام ، واندفعت شبهة البراهمة بحمد اللّه ومنّه . على أنّهم لو أتوا بما يوافق قضيّة العقل تعيينا ، كأن يأمروا بردّ الأمانات وقضاء الدين وشكر المنعمين وينهوا عن الظلم والكذب والعبث وغيرها من القبائح العقلية ، ولم يأتوا بشيء آخر ، لما لزم أن تكون بعثتهم عبثا قبيحا إذا علم تعالى أنّ عند تأكيدهم هذه العقليّات ودعوتهم إليها يطيع إقداما واحجاما أو إقداما أو إحجاما من كان لا يطيع لولا دعوتهم على ما ذكرناه من قبل . وقد اختلف أبو عليّ وأبو هاشم في جواز بعثة نبيّ من غير شرع ، فجوّز أبو علي ذلك ، وأجازه المتكلّمون قبله ، ولم يجوّزه أبو هاشم . وقال قاضي القضاة من أصحاب أبي هاشم إنّه لا يحسن بعثته إلّا بأن يعرّف ما لا يعلم إلّا من جهته ، كتعريفه المصالح الشرعيّة أو القطع على عقاب الكفّار والفساق ، أو يحيي شرعا قد اندرس . واحتجّ أبو هاشم في تصيح مذهبه : بأنّ العقل ، كاف في معرفة العقليّات ، فبعثته لتعريفها عبث ، ولأنّ ما اقتضى بعثته مقتض أيضا وجوب النظر في معجزه . وإنّما يجب النظر فيه إذا خاف المكلّف في ترك النظر في معجزه أن يفونه ما لا يمكنه العلم به ، وبعثته بالعقليّات لا يوجب النظر في معجزه وإن قال الرسول لهم : إن شئتم انظروا في معجزي وإن شئتم لا تنظروا فيه ، نفرّ ذلك عنه . فصحّ أنّه لا بدّ من شرع يبعث به . قال : فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون دعاؤه إيّاهم إلى العقليّات مصلحة لهم ، فيلزمهم النظر في معجزه أو يكون معرفتهم بنبوّته مصلحة لهم ، فيلزمهم النظر في معجزه . قيل : لو جاز أن يجب النظر عليهم لما ذكره السائل ، لجاز ظهور المعجز على المصالح ويجب النظر فيه لما يكون فيه من المصلحة ، وذلك يوجب التنفير عن