الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
390
المنقذ من التقليد
مجرى التصديق بالقول ؟ ثمّ أحدنا يضطرّ إلى قصد الملك في الشاهد ، فيعلم ضرورة أنّ الملك صدّق المدّعي عليه الرسالة بما فعل ، ولا يجوز الاضطرار إلى قصده للّه تعالى في دار التكليف . ثمّ إذا رجعتم إلى الشاهد في هذا الباب ، فلا فرق في الشاهد بين أن يفعل الملك ما التمسه المدّعي ممّا وصفتموه وبين أن يقول المدّعي عليه الرسالة إن كنت كاذبا فازمني بما في يدك من السلاح أو اقتلني أو امنعني . فانّه إذا قال ذلك ، والملك لا يفعل شيئا من ذلك ، كان ذلك تصديقا له ، فقولوا في حقّه تعالى مثله ، حتّى لو جاء متنبّئ فقال : اللّهم إن كنت كاذبا فامطر عليّ حجارة من السماء أو ائتني بعذاب أليم . يقول هذا ، واللّه تعالى لا يفعل شيئا من ذلك ، لكان ذلك تصديقا له ، والمعلوم خلاف ذلك . قلنا : أمّا ما ذكره السائل أوّلا ، فالجواب عنه أنّ المعجز وإن لم يكن فيه مواضعة إلّا أنّ فيه ما يجري مجرى المواضعة ، وهو التماس المدّعي من فعل اللّه تعالى خارق عادة عقيب دعواه بيانه ما ذكرناه في الشاهد : وهو أنّ المدّعي على الملك الرسالة إذا التمس منه فعلا خارقا لعادته عقيب دعواه ، كان ذلك جاريا مجرى المواضعة في ذلك الفعل على انّه للتصديق . وأمّا ما ذكره ثانيا ، فالجواب عنه أن نقول : أرأيت لو لم يضطرّ أحدنا إلى قصد الملك ، أليس كان يمكنه أن يستدلّ بالفعل الذي وصفناه « 1 » على صدق المدّعي وكان يعلم أنّه فعله للتصديق . إذا تقرّر هذا وفعل تعالى ما يجري هذا المجرى عقيب دعوى المدّعي وامتنع الاضطرار إلى قصده في الدنيا ، استدللنا بالطريق الذي أشرنا إليه على أنّه جلّ وعزّ فعله للتصديق .
--> ( 1 ) م : وضعناه .