الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
391
المنقذ من التقليد
وأمّا ما ذكره أخيرا ، فالجواب عنه أن نقول : امتناع الملك من قتل المدّعي عليه الرسالة ورميه بالسلاح ومنعه من القول ، إنّما يكون تصديقا له من حيث أنّه خارق لعادته ، فيكون داخلا فيما ذكرناه . وذلك لأنّ الملوك في الشاهد عادتهم جارية بإهلاك المفتري المتقوّل عليهم ، سيما إذا كان بمرئى ومسمع ، منهم ، فإذا التمس المدّعي من الملك شيئا ممّا وصفناه ولم يفعل الملك به ذلك كان ذلك تصديقا له ، لأنّه خارق لعادته ، وليس كذلك في حقّه تعالى لأنّه حليم لا يعجل بالعقوبة ولم تجر عادته بتعجيل عقوبة المفتري المتقوّل عليه ، بل عادته جارية بالإغضاء عن المسيئين والعفو عن المذنبين . فإذا التمس المتنبّي من اللّه تعالى العذاب ولم يفعل به ، كان بمنزلة الأمور المعتادة ، فلا يكون تصديقا له . فإن قيل : لم اقتصرتم في حدّ المعجز على ما يكون من فعله تعالى ؟ وهلّا زدتم فيه : « أو يكون جاريا مجرى فعله جلّ وعزّ » ، على ما أعتبره الشيوخ ؟ فانّهم اعتبروا ذلك وبيّنوه بأن قالوا : لو كان طفر البحر ونقل الجبال والكلام الخارق للعادة بفصاحته من فعل مدّعي النبوّة لدلّ على صدقه ، كدلالته لو كان من قبله تعالى . قلنا : الخارق للعادة ينبغي أن يكون من قبل اللّه تعالى الذي ثبت حكمته وأنّه لا يصدّق الكذّاب ، حتى يدلّ على صدق المدّعي . فأمّا ما يكون من قبل المدّعي فانّه لا يدلّ على صدقه ، إذ تصديق المدّعي نفسه لا يكون دليل صدقه ، وكذا ما يكون من قبل غيره ممّن يجوز عليه تصديق الكذّاب لا يدلّ على صدقه . أمّا ما أشار إليه السائل من طفر المدّعي البحر ونقله الجبال « 1 » وإتيانه بالكلام الخارق للعادة بفصاحته ، فالدالّ في تلك الصورة على صدق المدّعي إنّما هو تخصيص اللّه تعالى إيّاه بالقدر التي تمكّن بها من طفر البحر ونقل الجبل ،
--> ( 1 ) م : الجبل .