الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

364

المنقذ من التقليد

رزقه . وكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله أولى لك ، لو كنت تقدّمت إليك لنكلت بك ، قم ، فتب إلى اللّه تعالى ، أمّا إنّك إن قلت بعد هذه التقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا وحلقت رأسك مثلة ونفيتك من أهلك ، وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة « 1 » . إذا ثبت وتقرّر أنّ الرزق ما ذكرناه فاعلم أنّ كلّ شيء يصحّ انتفاع الحيوان به وليس لغيره منعه منه ، فهو رزقه من قبله تعالى لأنّه الخالق له والممكّن من الانتفاع والحاظر على غيره منعه من ذلك الانتفاع ، وقد يفعل تعالى ذلك فضلا منه من غير أن يكون في ذلك لطفا وقد يفعله بأن يكون فيه لطف . وما ذكرناه ، من أنّ الرزق من قبله تعالى مطّرد في جميع أنواع الرزق حتّى انّ أحدنا لو وهب لغيره طعاما ومالا ، فاللّه تعالى هو الرزّاق بذلك الرزق من الوجه الذي ذكرناه . وهو أنّه الخالق له والممكن من الانتفاع به باعطاء القدرة والآلة والشهوة ، وقد يضاف إلى الواهب أيضا ذلك من حيث أنّ له أيضا حظا في ذلك التمكين يرفع المنع من جهة إباحته ويمكّنه إيّاه إلّا أنّ الأصل في التمكين هو ما فعله تعالى ، على ما بيّناه وأيضا فانّه تعالى هو الذي مكّن الواهب من التصرّف في ذلك الشيء ومن هبته له ورغبه فيها . فاضافته إليه تعالى آكد وأرجح بكثير منها إلى الواهب . واعلم أنّه يتصوّر في مباشرة الأسباب الموصلة إلى الرزق التي عرف حلّها واباحتها بالعقل والشرع ضروب من المصالح ، أدناها أن يعتبر العاقل بأنّه لا يصل إلى المنافع الدنيويّة التي هي فانية غير دائمة إلّا بكدّ ومشقّة ، فكيف يصل إلى ملك الآخرة ومنافعها الدائمة من دون تحمّل مشقّة . واعلم أنّ قوما من أهل الكسل حرّموا المكاسب المعروفة ، وقالوا : الواجب

--> ( 1 ) سنن ابن ماجة : ج 2 ص 872 ح 2613 . مع اختلاف في السند والمتن .