الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
365
المنقذ من التقليد
على الإنسان أن يتوكّل ولا يشتغل بالتكسّب وسمّوا أنفسهم « التوكّليّة » ، وتعلّقوا في تحريمهم المكاسب بوجهين : أحدهما : أنّ الحرام مختلط بالحلال ، ولا طريق إلى تميز الحرام من الحلال ، فلا يحلّ للإنسان التصرّف في هذه الأموال ، فينبغي أن يتصدّق بما في يده حتى يفتقر يصير مستحقا للصدقة ، فيحلّ له أخذ الأموال المختلطة على وجه الصدقة . فنقول لهم : لا نسلّم اختلاط الحلال بالحرام على وجه لا يمكن التميز بينهما ، بل للعاقل طريق إلى تمييز الحلال من الحرام عقلا وشرعا ، وهو غلبة الظنّ بأنّ المال مال المتصرّف فيه وملكه بظاهر يده عليه ، فإذا عارض أمارة تقتضي حرمة ما في يده بأن يكون شرطيّا ، أو من أصحاب الضرائب تجنّب عن معاملته وأخذ ما في يده إلى أن يغلب في ظنّه بأمارة أقوى منها أنّه ملكه . وبعض الشيوخ قالوا : يرجع إلى قوله في أنّه ملكه ، وبعضهم يشترط مع ذلك غلبة الظنّ بانّه صادق في إخباره عن أنّه ملكه ، وهذا هو الصحيح ، فبهذا ينفصل ويتميّز الحلال من الحرام . فإن قيل : إنّ مع هذا الظنّ قد لا يكون ملكه في علم اللّه تعالى . قلنا : وهذا التجويز لا يقدح فيما ذكرناه ، إذ قد أباح اللّه تعالى لنا أخذه والتصرّف فيه إذ ظنّنا أنه ملكه وأخذناه منه بالطرق المباحة ، ما هذا التجويز إلّا كتجويزنا في الثوب الذي نصلّي فيه أنّه ربما أصابته نجاسة عند قصارة القصّار أو خياطة الخيّاط له أو بوجه آخر ، في أنّه لا يمنع من جواز الصلاة فيه ، وكتجويزنا في الماء الذي يسقيه لنا السقّاء أنّه ربما تنجّس بوجه في أنّه لا يمنع من جواز التطهّر به ، إذ لم نؤمر بأن نصلّي في ثوب يكون ظاهرا عند اللّه تعالى وأن نتطهّر بماء يكون طاهرا كذلك عند اللّه تعالى ، بل تكليفنا أن نصلّي في ثوب يكون طاهرا عندنا وفي غالب ظنّنا وأن نتطهّر بماء يغلب في ظنّنا طهارته وكذا