الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

363

المنقذ من التقليد

تعالى منعه من الانتفاع ، ولأنّ اللّه تعالى أمرنا بالإنفاق ممّا رزقنا على ما ذكرناه بقوله : « وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ » « 1 » ، ونهانا عن الانفاق من الحرام بالاجماع ، ومدح المنفق من الرزق بقوله : « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » « 2 » ، والغاصب مذموم بالانفاق من الغصب بالاجماع أيضا ، فكيف يقال : إنّ المغصوب رزق للغاصب ؟ فإن قيل في الغاصبين من لم يأكل طول عمره إلّا من الغصب : أفتقولون إنّه ما أكل طول عمره من رزقه وممّا رزقه اللّه تعالى ؟ قلنا : كذلك نقول كما نقوله جميعا بالاتفاق : إنّه ما أكل طول عمره من ملكه وممّا أباحه اللّه تعالى له . فإنّ قيل : فقولوا : إنّه تعالى ما رزقه طول عمره . قلنا : لانطلق ذلك ، لأنّه يوهم أنّه عزّ وجل ما مكنه من اكتساب الرزق لأنّه يقال فيمن مكّنه اللّه تعالى من اكتساب الرزق إنّه رزقه ، يؤكّد ما ذكرناه - من أنّ الحرام لا يكون رزقا - ما رواه عبد الوهّاب بن عيسى قال : حدّثنا يعقوب بن إسحاق بن إسرائيل ، قال : حدّثنا محمّد بن خلف ، قال : حدّثنا عبد الرزاق ، قال : حدّثنا يحيى بن العلاء ، قال : حدّثنا بشير بن المعتمر أنّه سمع مكحولا يقول : حدّثني يزيد بن عبد اللّه عن صفوان بن اميّة ، قال : « كنّا عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله - إذ جاءه عمرو بن مرّة فقال لرسول اللّه : إنّ اللّه كتب عليّ الشّقوة فلا أرى الرزق إلّا من دفّي بكفي ، فأذن لي في الغناء بغير فاحشة ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لا آذن لك ، ولا كرامة ، ولا نعمة عين . كذبت أي عدوّ اللّه لقد رزقك اللّه طيّبا ، فاخترت ما حرّم اللّه عليك من

--> ( 1 ) المنافقون : 10 . ( 2 ) البقرة : 3 .