الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

354

المنقذ من التقليد

من مديونه انّه أجل الدين ويقال دين مؤجّل ، أي موقت بوقت مستقبل . ويقال في مقابلته دين معجّل إذا استحق استيفاءه في الحال . إذا تقرّر هذا ، فأجل الحيوان هو الوقت الذي علم اللّه تعالى انّه يبطل فيه حياة ذلك الحيوان كأجل الدين المضروب لحلوله فيه ، وكلّ حيوان فانّه يموت ويبطل حياته في أجله الذي علمه تعالى أنّ حياته تبطل فيه ، ولا تبطل حياته إلّا في ذلك الوقت ، إذ المعلوم لا يقع خلافه وإن كان مقدورا . ولكن الأجل والوقت لا تأثير له في بطلان الحياة . وكذا القول في العلم ، فانّه لا أثر له في تحقّق المعلوم ، بل يتعلّق بالمعلوم ، على ما هو به ، فهو تابع للمعلوم ، لولا ذلك لبطلت التكاليف . واستحقاق المدح والذم والثواب والعقاب من حيث أنّ المطيع لا يمكنه الامتناع من الطاعة ، لأنّ اللّه تعالى علم منه أنّه مطيع ولا يقدر على خلافها . وكذا القول في العاصي ، فلا يستحقان مدحا ولا ذمّا ولا ثوابا ولا عقابا ، ويلزم أن لا يقدر تعالى على إقامة القيامة الساعة ، لأنّه علم أنّه لا يقيمها الآن وأن لا يقدر على خلق عالم آخر في هذا الزمان ، لأنّه علم أنّه لا يخلقه . فإن قيل : لو كان خلاف المعلوم مقدورا ، لصحّ وقوعه ، ولو وقع لكان فيه تجهيله تعالى أو انقلاب علمه . قلنا : قد أجبنا عن ذلك فيما سبق من كتابنا هذا ، بأن قلنا : لو وقع ما علم تعالى أنّه لا يقع لما كان تعالى عالما قطّ بأنّه لا يقع ، بل كان بدله عالما بأنّه يقع ، إذا العلم ، والمعلوم من المتضايفات ، فتقدير حصول المعلوم على وجه يقتضي تعلّق العلم به على ذلك الوجه ، ولا يتصوّر تقدير حصول المعلوم على وجه مع القول بتعلّق العلم به على وجه آخر كما لا يتصور تقدير كون زيد أخا عمرو ، مع تقدير أنّ عمروا ليس أخاه . إذا تقرّر أنّ الوقت والعلم لا تأثير لهما في بطلان الحياة ، فإن بطلت حياة