الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
355
المنقذ من التقليد
الحيوان بقتل ظالم له فذلك ظلم وجور من جهة الظالم ، وان بطلت حياته من قبل اللّه تعالى فذلك حكمة وصواب . وقد يكون ذلك لطفا لبعض المكلّفين غير الميّت ، إذ لا يتصوّر أن يكون موته لطفا من حيث انّه بعد الموت يزول عنه التكليف ببطلان حياته وعقله وتمكّنه ، فكيف بلطف له ، وما يقدّر لطفا له فبما ذا يكون لطفا . اللّهمّ إلّا أن يقال في إعلامه ذلك في زمان تكليفه لطف له فيصحّ ، ولكن ذلك اللطف يكون في اعلامه أنّه يموت ولا يكون في نفس موته علم ، فيكون قولنا : إنّ موته نفس إنّما يتصوّر أن يكون لطفا لغيره لا له . واعلم أنّ كلّ حيوان فليس له إلّا أجل واحد حقيقة ، وما علم تعالى أنّه لو لم يمت بالسبب الذي مات به أولم يقتل فيمن قتل لكان يعيش إليه لا يسمّى أجلا حقيقة ، وإنّما يسمّى بذلك تجوّزا وتوسّعا وبيانه : أنّه لو جاز أن يسمّى المقدّر أجلا ، لجاز أن يسمّى المقدّر ملكا ورزقا . فكان يجوّز أن تقول في ملك غيرنا ورزق غيرنا أنّه ملك لنا ورزق لنا بتقدير أنّ مالكه لو وهبه لنا لكان ملكا لنا ورزقا لنا ، وكان يجوز أن نقول : لنا وطئ زوجة الغير ، بتقدير أن يموت ذلك الغير أو يطلّقها فتنكحها بعد انقضاء عدّتها . امّا قوله تعالى : « قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » « 1 » فقد ذكر فيه وجهان : أحدهما : أنّه تعالى ما صرّح بأنّهما أجلان لما ذا ؟ وإذا لم يصرّح بذلك فمن الجائز أن يكون أحد الأجلين أجل الحياة لأنّ الحياة أيضا ممّا يتصوّر أن يكون لها أجل ، والأجل الآخر يكون أجلا للموت . والوجه الآخر : أن يحمل الأجل الآخر على المقدّر مجازا وعلى طريق التوسّع ، إذ المجاز في القرآن أكثر من أن يحصى .
--> ( 1 ) الأنعام : 2 .