الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
333
المنقذ من التقليد
قلنا : قد أبطلنا قولهم حيث تكلّمنا في التحسين والتقبيح وبيّنا أنّ ما ذكروه لا يصلح أن يكون وجه حسن ولا يخفى على أحد من العقلاء أنّ الذي قالوه وجوّزه هو الظلم الصريح الذي تقتضي العقول السليمة بقبحه . وعلى ما ذهبوا إليه وقرروه هو قبيح من وجه آخر ، وهو أنّه عبث لأنّه إذا كان الألم لا نفع فيه لأحد وليس لطفا أصلا ولا يعتبر به معتبر فقد تعرى من غرض المثل فيكون عبثا قبيحا . وأمّا ما يفعله الظالم من الظلم بإيلام غيره وإيصال المضارّ إليه ، فلا بدّ ثبوت العوض فيه أيضا بأن ينتصف اللّه تعالى لمظلومه منه . وطريق ذلك هو أن يستوفي اللّه تعالى من الظالم ما يقابل إيلامه لمظلومه من الأعواض التي استحقّها على غيره من الظلمة أو على اللّه تعالى ، فيوصله إلى مظلومه أو يمنّ تعالى على الظالم ويتفضّل عليه بمثل ذلك ، وينقله إلى مظلومه على بعض المذاهب ، على ما سيجيء بيانه ، إن شاء اللّه تعالى . وإنّما قلنا لا بدّ من ثبوت العوض الذي وصفناه فيما يفعله الظالم من الظلم بإيلامه غيره ، لأنّ اللّه تعالى مكنه من ظلم الغير على علمه تعالى بأنّه يظلمه ولم يمنعه جبرا ، مع قدرته على منعه منه ، فلو لم يضمن الانتصاف لمظلومه منه لما حسن منه تعالى تمكينه من الظلم وتخيلته إيّاه . فإن قيل : فعلى هذا يجب على كلّ من مكن أحدا من ظلم غيره بعمل آلة أو رفع حاجب ومانع أن يلزمه انتصاف مظلومه منه إذا ظلمه . وإذا لم يمكنه الانتصاف وجب أن لا يحسن منه ذلك التمكين والعمل . وهذا يقتضي أن يلزم الحدّادين والسكّاكين والقوّاسين والصياقلة وغيرهم ما ذكرتموه من الانتصاف ، وإذا لم يمكنهم الانتصاف وجب أن لا يحسن منهم تلك الأعمال والصناعات . قلنا : تمكينه تعالى الظلمة مخالف تمكين هؤلاء . وذلك لأنّه تعالى يعلم ما يفعله الظلمة من الظلم عند تمكينه إيّاهم ، وهؤلاء لا يعلمون ذلك ، واللّه