حسن حنفي
62
من العقيدة إلى الثورة
ان امكان النبوة قد يؤدى إلى الادوار الآتية : أ - يعطى الوحي بداية يقينية مطلقة حتى يتجنب الانسان محاولات الخطأ والصواب إلى ما لا نهاية ويبقى احتمال الخطأ في الفهم والتطبيق أقل . صحيح أن العقل قادر على الوصول إلى هذه البدايات اليقينية ولكن الوحي يقصر الوقت ويقلل الجهد ويعطى دفعة للعقل بالأوليات الأولى . ثم تكون مهمة العقل بعد ذلك الاستدلال وايجاد الانساق المحكمة والتطبيقات العملية والتكليف حسب الزمان والمكان . علاقة الوحي بالعقل اذن هي علاقة الحدس بالبرهان ، علاقة المقدمات بالنتائج . ان البداية اليقينية شرط لليقين في الاستدلال ، وان الفكر كله هو علم البدايات أو علم الأوليات . خاصة أن هذه البدايات قد تم تجريبها في الوعي الانساني على مدى تطور البشرية وأصبحت مجربة من قبل ومحققة في التاريخ . ب - قد يشرع الوحي لبعض الاعمال ويسن بعض النظم والقوانين محققا بذلك النظريات في صيغة تشريعات ، وبالتالي يقوم بتأسيس النظر والعمل معا . ولا يعنى ذلك مجرد الشعائر التي قد تكون ضرورية للعامة كطريق للعمل الصالح بل أيضا النظم السياسية والاقتصادية التي يجهد المنظر نفسه في الوصول إلى أفضلها وأكثرها تحقيقا للمصالح العامة . وعندما يقوم ذهن واحد بوضع النظريات والتشريعات المستنبطة منها يكون ذلك أقل احتمالا للخطأ من وضع النظريات وحدها وترك التشريعات لاستنباط ذهن آخر . الوحي هنا ضرورة عملية لما كانت حياة الناس في حاجة أولا إلى نظم وتشريعات حتى وان لم تدرك الأسس النظرية التي تقوم عليها . ويبقى للذهن البشرى أيضا استنباط نظريات تفصيلية من التشريعات العامة طبقا للزمان والمكان . وكلما كان الضبط في البدايات أحكم كانت الدقة في الاستنتاجات أعظم . فإذا كان الحدس الأول هو حكمة التشريع أو فلسفته فان النظرية العامة تكون هي أساس استنباط القوانين وصياغة التشريع . ج - يعطى الوحي نظرة كلية شاملة للحياة مقابل النظرة الانسانية