حسن حنفي
63
من العقيدة إلى الثورة
المتجزئة . فنظرا لوضع الانسان في زمان معين ومكان معين وفي مجتمع محدود في طبقة بعينها أي باختصار نظرا للموقف الانساني ولكل المحددات الانسانية لا يستطيع الانسان الا أن يدرك موقفه الخاص مهما كانت لديه من قدرة على الحياد والتجريد وعلى العموم والشمول . يستطيع الوحي أن يقابل هذه التجزئة ويعطى نظرة شاملة كلية للحياة . وبالتالي يأمن الانسان من الوقوع في وجهات النظر الخاصة المحددة ، ونظرا لما قد ينتاب النظرة الخاصة من نقص في الحياد ومن صعوبة التمييز بين الرأي والهوى فان الوحي يحمى من هذا الخطر . فالوحي باعتباره تعبيرا عن الوعي الخالص يعطى تصورا محايدا لا يقوم على هوى أو مصلحة أو انفعال . صحيح أن الفيلسوف يمكنه أن يتجرد عن الهوى كما يمكنه أن يحقق حياد الشعور ومع ذلك يظل الوحي يمثل ضمانا أكثر لعديد من المنظرين . الوحي اذن قادر على اعطاء هذه المعرفة الشاملة الموضوعية الخالية من وجهات النظر التي يتميز بها الانسان وخاليا من الأهواء والرغبات والتميزات التي تخضع لها الاحكام البشرية . حقائق الوحي منصفة غير متحيزة لا تأخذ نظر فرد دون فرد أو مصلحة جماعة دون جماعة وكأن التاريخ قد اكتمل والحقائق البشرية العامة قد عرفت . د - يمكن للوحي توفير الجهد وتقصير المسافة واختصار الشوط . فلو أن الانسان بجهده الخاص أراد الحصول على النظريات ثم استنبط منها التشريعات لكان في حاجة إلى عدة أعمار . يأتي الوحي لتخفيف الحمل ، ويكفى الانسان مئونة البحث النظري في الأسس العامة للتطبيق حتى يكرس الانسان وقته وجهده للعمل والتحقيق . ولا يعنى ذلك ابطال الانسان لعمل العقل فمهمة العقل هنا عملية في التفسير وهو ما سماه الأصوليون تخريج المناط وتنقيح المناط وتحقيق المناط أي معرفة العلل المؤثرة في الواقع والتي على أساسها قامت الاحكام . وهنا تمحى التفرقة بين العقل النظري والعقل العملي ، بين فهم العالم وتغييره . النظر كيفية العمل ، والفهم من أجل التغيير . أعطى الوحي اليقين النظري حتى يركز الانسان جهده على التطبيق العملي . فلو ظل الانسان طيلة حياته يبحث عن اليقين النظري فربما انقضى نحبه ولم يصل إليه بعد .