حسن حنفي
53
من العقيدة إلى الثورة
مجرد مخلوق مثلها « 86 » . فكما أن الخلق نعمة فان التكليف نعمة الخلق في الطبيعة ونعمة التكليف في الحرية . صحيح أن التكليف يبطل بعقيدة الجبر فكيف يتم التكليف وكل شيء يتم بقدرة الله بما في ذلك أفعال المكلف ولكنه لا يبطل بحرية الاختيار وهي أحد مكتسبات العدل . ان التكليف يكون قدحا في النبوة على افتراض الجبر ولكنه لا يكون قدحا إذا كان قائما على حرية الاختيار ، وبالتالي يكون للوحي مبررات وجوده . وإذا كان التكليف اضرارا عاجلا فان ذلك من أجل منفعة آجلة . مشقة الاستيقاظ مبكرا للصلاة لا تعادلها منفعة الافعال المبكرة وفوائد الصلاة . ومشقة الصيام لا تعادلها مآثره في السيطرة على النفس والاحساس بالآخرين . ومشقة الجهاد والتضحية بالنفس لا يعادلها نصر الأمة وبقاء الحق . والثواب والعقاب متضمنان في الافعال « 87 » . والفعل القبيح يتضمن عقابه من داخله ، تأنيب الضمير وحكم الناس ، والقصاص من الافراد فيه حياة للمجموع . وان غاية التكليف هو تحقيق الرسالة وازدهار الحرية وكمال الطبيعة وتحقيق امكانيات الوجود الانساني . والتكلف تكليف قبل الفعل بما يطاق ، في حدود الطاقة والقدرة والأهلية ، وبالتالي فهو ممكن . وليس تكليفا من الخارج بل هو التزام داخلي تعبيرا عن قد رأت الانسان على تغيير العالم . ليست الغاية معرفة نظرية بالله بل هي تكليف عملي ، وهو تحقيق المعرفة النظرية بالفعل . فالفعل ليس ضعفا في النظر بل تحقيق واتمام له . فإذا ما تم الاعتراف بالبعثة وامكانها فإنه قد يمتنع وقوعها نظرا لمعارضة الشريعة لمقتضيات العقل ، وبالتالي لا تكون من عند الله مثل ذبح الحيوان وايلامه وتحمل الجوع والعطش في أيام معينة ومنع الملاذ التي بها صلاح البدن ، والتكليف بالافعال الشاقة وتفضيل بعض
--> ( 86 ) هذا هو معنى الآية القرآنية المشار إليها دائما إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ( 33 : 72 ) . ( 87 ) الأصول ص 156 ، الغاية ص 323 ، ص 339 .