حسن حنفي

341

من العقيدة إلى الثورة

الأخرى ، فتلك الطاعة بالمصادفة والتبعية وليست بالقصد والنية . ولا حتى النظر والاستدلال الأول يكون طاعة لله ان لم يكن الهدف منه معرفته والقصد . إليه النظر والتوجه إلى الموضوع من شروط صحة النظر . وان اعلاء قيمة النظر لا يكون بالتعريف على موضوعه بالمصادفة بل بالقصد إليه وجعله أول الواجبات « 25 » . كما لا تدخل في أفعال

--> ( 25 ) هذا هو مذهب أصحاب طاعة لا يراد الله بها . ومنهم أبو الهذيل والأباضية . فقد زعم هؤلاء أنه يصح وجود طاعات كثيرة ممن لا يريد الله بها كما قال أبو الهذيل واتباعه من القدرية . فقد قال بطاعات كثيرة لا يراد الله بها . وزعم أنه ليس في الأرض صاحب هوى ولا زنديق الا وهو مطيع لله في أشياء كثيرة وان عصاه من جهة كفره ، واستدل أبو الهذيل على دعوى صحة وقوع طاعات لله ممن لا يعرفه بأن قال : ان أوامر الله بإزائها زواجر فلو كان من لا يعرفه ترك جميع أوامره وجب أن يكون قد صار إلى جميع زواجره ، وأن يكون من ترك جميع الطاعات قد صار إلى جميع المعاصي . ولو كان كذلك الدهري يهوديا ونصرانيا ومجوسيا وعلى أديان سائرة الكفرة . وإذا صار المجوسي تاركا لكل كفر سوى المجوسية علمنا أنه عاص بمجوسيته التي قد نهى عنها ، ومطيع لله ما تركه من أنواع الكفر لأنه مأمور بتركهما . فقلت له : ليس الامر في أوامر الله وزواجره على ما ظننته ولكن لا خصلة من الطاعة الا وتضادها معاص متضادة ، ولا خصلة من الايمان الا وتضادها خصال متضادة . كل نوع منها يضاد النوع الآخر كما تضادها الطاعة . وذلك بمنزلة القيام والقعود والاضطجاع والاستلقاء . وقد يخرج من القعود من لا يصير إلى جميع أضداده وانما يخرج من القعود بنوع واحد من أضداده . كذلك يخرج عن كل طاعة لله بنوع واحد من الكفر المضاد للطاعات كلها لان ذلك النوع من الكفر يضاد نوعا آخر من الكفر كما يضاد سائر الطاعات . وهذا واضح في نفسه وان جهله أبو الهذيل ، الفرق ص 126 ، وقد قالت الأباضية ( الخوارج ) بطاعة لا يراد بها على مذهب أبي الهذيل ومعنى ذلك أن الانسان قد يكون مطيعا لله إذا فعل شيئا أمره الله به وان لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به ، مقالات ج 1 ص 172 ، الفرق ص 72 ، الملل ج 2 ص 53 ، وقال أصحابنا ( أهل السنة والجماعة ) ان ذلك لا يصح الا في طاعة واحدة ، وهو النظر الأول فان صاحبه إذا استدل به كان مطيعا لله في فعله وان لم يقصد به التقرب إلى الله لاستحالة تقربه إليه قبل معرفته . فإذا عرف الله فلا يصح منه بعد معرفته طاعة منه لله الا بعد قصده التقرب بها إليه ، الفرق ص 105 ، وقال أهل السنة والجماعة ان الطاعة لله ممن لا يعرفه انما تصح في شيء واحد وهو