حسن حنفي

158

من العقيدة إلى الثورة

السابقة التي تنتهى إليه بتحقق النبوة بل اللاحقة عليه التي تقص من أخبار الماضي . وهي في غالبها اخبار آحاد لا تفيد الا الظن . والمتواتر منها أيضا بمفرده لا يفيد الا الظن طبقا لنظرية العلم لاحتياج الدليل النقلي إلى دليل عقلي ولو واحد . وكثير من هذه الأخبار قد وضعت بعد البعثة ، اسقاطا من الحاضر على الماضي . فبعد ظهور العبقرية يتم الحديث عن بوادرها ، وبعد وقوع النبوة يتم اكتشاف ارهاصاتها . وغالبا ما كانت في كتب السيرة تبجيلا للرسول ، وتعظيما للنبي من أجل جعله فوق مستوى البشر ، متفردا بالوقائع ، مصطفى بالصفات . وعلم السيرة ليس علم أصول الدين . الأول نقلي خالص والثاني نقلي عقلي . تكفى في الأول الحجج النقلية في حين أنها تظل في الثاني ظنية ولا تتحول إلى يقينية الا بحجة عقلية ولو واحدة طبقا لنظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى . ولو كانت معجزات قبل البعثة فإنها لا تدل على البعث لأن هذه المعجزات قد وضعت قبلها . وتكون المعجزة دليلا على صدق النبوة إذا كانت مقارنة لها لا قبلها ولا بعدها . وإذا كان الرسول لا يكون كذلك قبل البعثة وهو مجرد انسان عادى لا نبيا ولا رسولا قبل البعثة فكيف تظهر عليه أحوال غريبة ، كرامات أو معجزات ؟ وإذا كانت هذه الأحوال مجرد كرامات قبل البعثة ومعجزات بعد البعثة فهل ننتظر من الأولياء الذين تظهر عليهم الكرامات أن يتحولوا إلى أنبياء فيما بعد ؟ ليست المعجزات قبل البعثة مقدمات لتلك التي تقع بعدها فالمعجزة لا تحتاج تقديما بمعجزة أخرى أو تصديقا لما سيأتي بعدها من معجزات والا لتسلسل الامر إلى ما لا نهاية وظهرت ضرورة معجزة أولى صادقة بذاتها لا تحتاج إلى معجزة أخرى قبلها . وان حياة النبي قبل البعثة جزء من حياته الخاصة وليست العامة . وقد تقسم أحواله قبل البعثة إلى أمور في ذات الرسول وإلى أمور في صفاته وإلى أمور خارجة عنها . فالأمور التي في ذاته مثل النور الّذي كان يتقلب في آبائه إلى أن ولد وهي حتما صورة مجازية للخير والحق والعدل ، والنور صورة إلهية ولغة النبوة في الديانات القديمة . والتقلب في الآباء احدى صور التناسخ أو أحد مظاهر حلول الأبوة في