حسن حنفي

130

من العقيدة إلى الثورة

والحقيقة أن البداء ليس مشكلة موجودة في الواقع بل هو وضع لمشكلة المعرفة الانسانية ، مشكلة المظهر والحقيقة . هل العلم مطابق للمظهر أم للحقيقة ؟ ولما كان العلم مدفوعا إلى حد الاطلاق بدافع عواطف التأليه فإنه يكون بطبيعة الحال مطابقا للواقع وللحقيقة سواء عن وعى وهو تطور العلم بناء على اكتشاف واقع جديد أو عن لا وعى كما يحدث في الادراك الخاطئ . فإذا ثبت العلم متغيرا تكون الصفات حادثة والحدوث في الصفات أقل شرفا من القدم . النسخ أمر شرعي يتعلق بأفعال العباد وليس بصفات الله مثل العلم أو القدرة . لذلك كان موقف أصول الفقه أسلم بالحديث عن النسخ حديثا وضعيا صرفا أي التطور في الاحكام لا شأن له بالتغير أو الحدوث في صفات الله . البداء ليس مشكلة في الصفات وافتراض حدوث تغير في العلم بل هو مشكلة انسانية خالصة تتعلق بصلة الفكر بالواقع كما هو معروف في تاريخ العلم وفي التجارب الانسانية القائمة على المحاولة والخطأ . فانكار البداء انما يبقى في الحقيقة التنزيه ولا شأن له بالنسخ أو بآثار هذا الانكار على النسخ أي على تطور الحياة الانسانية . انكار البداء دفاع عن العلم الإلهي ضد الجهل ، ودفاع عن الله وعلمه الضروري غير المكتسب أو المستفاد ، دفاع عن العلم الاستنباطى واعتبار العلم الاستقرائى حطة في شأن العلم الإلهي ، دفاع عن العلم الثابت لان العلم المتجدد تغير ونقص « 187 » . فإذا كان علم الله تابعا لتغير الواقع يكون السؤال : هل علم الله على شرط ؟ والإجابة نفيا تثبت العلم المطلق وتنفى التغير منه ، وتضع

--> من أنكر جواز النسخ عقلا زعم أنه يوجب البداء وأن يكون القبح حسنا والعدل جورا ، الأصول ص 226 - 227 ، ما أوجبه الله فقد أخبر عن كونه واجبا . فلو حظره وأخبر عن كونه محظورا لانقلب الخبر الأول خلقا واقعا على خلاف مخبره وذلك مستحيل ، الارشاد ص 341 - 342 . ( 187 ) الارشاد ص 341 .