حسن حنفي

476

من العقيدة إلى الثورة

العالم وقد ينفصلان في وجودين مستقلين كما هو الحال في نظرية الخلق أو حدوث العالم . والثالث الواجب الانساني أي ما يترجح فعله على تركه بناء على جلب المنافع ودفع المضار . وهي ليست الافعال الطبيعية البدائية مثل شرب العطشان وأكل الجائع سواء كان ذلك في هذا العالم أم في عالم آخر بل الافعال الإرادية القصدية التي تكون نتيجة لممارسة الحرية . والرابع الواجب المنطقي الّذي يؤدى وقوعه إلى أمر محال أو انقلاب الشيء إلى ضده . ولما كان الوجوب في الطبيعة ضرورتها وحتمية قوانينها والوجوب في العقل الضرورة المنطقية بقي الوجوب بمعنى واجب الوجود أي الله والوجوب بمعنى الواجب الأخلاقي في الافعال . وهما في الحقيقة وجوب واحد ووجود واحد . وليس الاشكال في الوجوب الطبيعي مثل الحجر الساقط أو وجوب الشمس أو الوجوب المنطقي وهو ما يلزم من فرض عدمه المحال ولكن الاشكال في الوجوب الإلهي والوجوب الانساني ، في وجوب الله ووجوب القيمة إلى أي حد يتحدان وإلى حد يتمايزان ؟ وان كان من الجائز أن يطلق الوجوب على الانسان فهل من الممكن اطلاقه على الله ؟ ولما كان الوجوب الانساني يتحدد بجلب المنافع ودفع المضار فإنه لا يطلق على الله ، فالله لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة عن نفسه . وان فعل ذلك فإنما يفعله من خلال الشريعة لصالح الانسان ومن خلال الوجوب الانساني . فالغاية أساس الوجوب الإلهي أو الانساني بناء على تحقيق المصالح ودرء المفاسد من خلال تحقيق مقاصد الشريعة التي يتحدد فيها القصد الإلهي والقصد الانساني . وان كان الوجوب الانساني يعنى ما يستحق تاركه الذم فذلك مستحيل في حق الله لأنه المالك والمتصرف . وإذا كان الوجوب يعنى ما تركه مخل بالحكمة فان ذلك أيضا مستحيل على الله لان أفعاله كلها حكمة ومصلحة . وإذا كان الوجوب يعنى ما قدر الله على نفسه الا يفعله ولا يتركه وان كان تركه جائز فإنه أيضا لا يجوز على الله لامتناع صدور خلافه عنه « 155 » . فالوجوب اذن انساني محض يتم من خلال

--> ( 155 ) شرح الدواني ص 185 - 189 .