حسن حنفي
446
من العقيدة إلى الثورة
لا يكون القبح محظورا على الاطلاق في العقل مثل كفر النعمة ؟ أليس الكذب والظلم والكفر قبحا ؟ وما ذا يستفيد الله من قولنا أنه هو المنعم وهو المقبح للكفر والظلم وأن العقل لا يقبح شيئا وأنه هو الحاكم بأحكام العقل ؟ وما أسهل أن يأتي الحاكم فيما بعد ويزحزح الله أو يأخذ مكانه ويجعل نفسه هو المحسن والمقبح للأفعال . ولا يؤدى القول بالحسن والقبح العقليين إلى الشرك ، الشرك بين العقل والله فالله لا يجعل أحد مخلوقاته ، وهو العقل ، شريكا له . ان الله نفسه قد عرف بالعقل ، وهدم العقل هدم لأساس معرفتنا بالله . وكيف لا يحسن العقل شيئا ولا يقبح شيئا ؟ وكيف تنفى الحقائق وكأن الله قد أدى إلى هدم الحقائق وأوقع البشرية في اللاأدريّة والشك وابطال الحقائق ، وهو ما نفاه علم أصول الدين من قبل في نظرية العلم ، وهل الله سوفسطائيا ؟ « 101 » وهل يستعلى الله ويثبت قوته بتدمير أحد مخلوقاته - وهو جزء منها وهو العقل - وذلك بأن يصبح الله حاكما على العقل وينفى حكم العقل على نفسه وعلى الأشياء وعلى الافعال ؟ لما ذا هدم الحقائق الانسانية العامة والتشكيك في القيم وابعاد الظروف الاجتماعية وكأن الله لا يعترف بحق ولا يسلم بقيمة ، يفعل الظلم ، وتقوم شرائعه على التناقض والعبث ؟ ان انكار العقل هو هدم للمصالح وجلب للمفاسد وقضاء على التعليل وهو أساس التشريع ، وبالتالي جعل المتكلم الأشعري الله عاملا ضد نفسه ، وهادما شريعته بيده ، وقاضيا على العقل بحكمته « 102 » .
--> ( 101 ) الفصل ج 3 ص 80 - 83 . ( 102 ) الاجماع على تعليل الاحكام بالمصالح والمفاسد وفي منعه سد باب القياس وتعطل أكثر الوقائع من الاحكام ، المواقف ص 327 ، فان قال : انما يقبح الكذب لأنه قبحه قيل : أجل ولو حسنه لكان حسنا لو أمر به لم يكن عليه اعتراض . فان قال : أجازوا له أن يكذب كما أجزتم له أن يأمر بالكذب قيل : ليس كل ما جاز أن يأمر به جاز أن يوصف به وكذلك لا يجوز عليه الكذب ليس لقبحه ولكن لأنه يستحيل عليه الكذب ، اللمع ص 117 - 118 .