حسن حنفي

447

من العقيدة إلى الثورة

ب - هل يمكن تحديد العقل قبل السمع ؟ ويمكن اعطاء العقل دورا محدودا قبل السمع كأحد الحلول المتوسطة بين هدم العقل كلية قبل السمع وبين جعل العقل مستقلا بذاته مدركا قبل السمع ودون ما حاجة إليه « 103 » . فقد يكون العقل قادرا على ادراك المعارف العقلية وحدها دون الشرعية . فقد تكون المدركات عقلية مثل حسن العلم والايمان وقبح الجهل والكفر سواء بديهية أو نظرية وقد تكون سمعية مثل حسن الاثبات بالطاعات وقبح ارتكاب المنهيات « 104 » . وإذا كانت القبائح العقلية تعرف ضرورة أو استدلالا فان القبائح الشرعية قد لا تعرف ضرورة على الاطلاق ، بل تعرف استدلالا لأنه لا مدخل فيها للضرورة الا إذا ارتدت إلى الأصول . أما القبائح العقلية مثل الظلم والكذب فهي ضرورية . قد تعلم القبائح الشرعية على الجملة وعلى التفصيل بالاستدلال . تعرف القبائح العقلية ضرورة والشرعية استدلالا « 105 » . والحقيقة أن الفصل بين الافعال العقلية والافعال الشرعية فصل لا مبرر له . الافعال وحدة حية في الشعور وقائمة على العقل وهادفة إلى غاية . ويمكن معرفة جنس الافعال الشرعية عقلا أما من الناحية البدنية أو الشعورية أو الاجتماعية . ولا يهم أن يكون ذلك عن ضرورة أو استدلال فكلاهما طريقان للمعرفة . وإذا

--> ( 103 ) المذاهب ثلاثة . مذهب الأشاعرة الّذي يرى أن الاحكام كلها تجب بالشرع ولكن بشرط العقل ، ومذهب الماتريدية الّذي يرى وجوب المعرفة بالنقل دون سائر الأحكام ومذهب المعتزلة الّذي يرى أن الاحكام كلها بالعقل ، التحفة ص 28 - 29 . ( 104 ) هذا هو رأى بعض المعتزلة ، الغاية ص 233 - 234 ، المحيط ص 235 - 238 ، ص 240 - 242 ، ولكنه هو الرأي المعروف عن الماتريدية . إذ تجب المعرفة عندها بالعقل بمعنى أنه لو لم يرد بها الشارع لادركها العقل استقلالا لوضوحه لا بناء على التحسين العقلي كما قالت المعتزلة ، التحفة ص 28 - 29 . ( 105 ) هذا هو رأى فقهاء الحنفية . فالعقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الّذي هو الأصل . وان كانت مما يستقل فيه العقل ، والا فعلم اثبات الصانع وعلم قدرته لا يتوقف من حيث ذاته على الكتاب والسنة ولكنه يتوقف عليهما من حيث الاعتداد بهما لأن هذه المباحث إذا لم تعتبر مطابقتها للكتاب والسنة كانت بمنزلة العلم الإلهي للفلاسفة . فحينئذ لا عبرة بها ، شرح الفقه ص 10 .