حسن حنفي
431
من العقيدة إلى الثورة
رابعا : العقل والنقل . لما ثبت وجود الصفات الموضوعية للأفعال تحول السؤال من الموضوع إلى المعرفة وأصبح كيف يمكن ادراك هذه الصفات بالعقل أم بالنقل ؟ وكان الاختيار واضحا . فكل انكار للصفات الموضوعية يجعل طريق ادراكها النقل لأنه لا يوجد شيء يمكن ادراكه بالعقل . فالموضوع والمعرفة كلاهما يأتيان من الخارج ، من الإرادة المشخصة للآمر الناهي . وكل اثبات للصفات الموضوعية يجعل طريق ادراكها العقل لأنه قادر على التعامل مع الموضوعات المستقلة . والطريق إلى معرفة صفات الفعل انما يتحدد فقط في المعنى الثالث للحسن والقبح أي تعلق المدح والثواب بالفعل ان عاجلا أو آجلا أو الزم الثواب والعقاب لان المعنى الأول وهو الملاءمة والمنافرة للغرض يدركه الحس والمعنى الثاني وهو الكمال والنقص يدركه العقل سواء ورد بهما الشرع أم لا « 78 » .
--> ( 78 ) يطلق الحسن والقبح على ثلاثة معاني بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل وبمعنى ملاءمة الغرض وعدمها كالعدل والظلم . والحسن والقبح بهذين المعنيين لا نزاع في أنهما عقليان يدركهما العقل ويستقل بادراكهما ورد الشرع أم لا . والثالث عند الأشاعرة حكم للعقل قبل ورود الشرع فما ورد به الآمر فهو حسن وما ورد النهى عنه فهو قبيح من غير أن يكون للفعل جهة محسنة في ذاته ولا بحسب جهاته واعتباراته حتى لو أمر بما نهى عنه صار حسنا وبالعكس . وعند المعتزلة للفعل جهة محسنة أو مقبحة في حكم الله يدركها العقل اما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار أو بالنظر إلى حسن الكذب النافع أو قبح الصدق الضار . والفرق بين المذهبين أن الامر والنهى من موجبات الحسن والقبح أي أن الفعل أمر به فحسن ونهى عنه فقبيح ، وعندهم الحسن والقبح من موجبات الامر والنهى . والامر والنهى كاشفان حسن وقبح سابقين حاصلين في الفعل ، اما لذاته واما لجهة لازمة لذاته ، التحقيق ص 142 - 143 ، الحسن والقبح عند الأشاعرة شرعيان وعند المعتزلة عقليان ، حاشية الكلنبويّ ص 211 ، شرعي عند الأشاعرة عقلي عند المعتزلة ، المحصل ص 147 ، وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع . فهو عند الأشاعرة شرعي ذلك لان الافعال كلها مستوية في أنفسها وانما صارت حسنة أو قبيحة بواسطة أمر الشارع ونهيه ، حتى قال امام الحرمين ليس