حسن حنفي

430

من العقيدة إلى الثورة

كل منهما قيمة مستقلة توجد في الفعل وتنبع من بنيته الداخلية ولا تتغير بتغير الإرادات المشخصة . وقد يترك لله امكانية أن يأمر بالقبيح ولو جوازا فيكون قبيحا للنهي ، وما لا يجوز فإنه يكون قبيحا لنفسه ، وكذلك في الحسن كل ما جاز أن يأمر الله به فهو حسن للامر وما لم يجز فهو حسن لذاته « 77 » . وذاك في الحقيقة ترك حق نظري ممكن لله وانتزاع الحق العملي منه ، وما دمنا في نطاق الفعل فإننا نكون على مستوى الحق العملي وليس على مستوى الحق النظري . وأخيرا ، هل يمكن نقد اثبات الصفات الموضوعية للأفعال ؟ بالنسبة للخير لا اشكال هناك فالانسان خير بطبيعته ، والخير في الفطرة ، والحسن في الطبيعة . ولكن ما ذا يكون الحال بالنسبة للشر ؟ هل القبح صفة موضوعية في الشيء والفعل أم مجرد وجهة نظر أي أنها معرفة وليست وجودا ؟ ألا يؤدى ذلك إلى اثبات الشر الكوني على ما هو معروف في الديانات الشرقية القديمة وعند الفلاسفة أنصار النظرية الكونية ؟ ان القبح ليس في الوجود بل في الافعال التي تتحقق وتصبح أوضاعا اجتماعية . ولما كانت الافعال حرة فالأوضاع الاجتماعية تتغير طبقا لها . فان وقع القبح في الوجود من الافعال فإنه يكون قبحا طارئا متغيرا سرعان ما يأتي الحسن مكانه بالفعل الحر ، فالحسن أقرب إلى طبائع الأشياء وتكوين الفطرة . والحرية أقرب إلى الممارسة اليومية من القهر والغلبة . فلا خطورة اذن من اثبات الصفات الموضوعية للأفعال من اثبات الوجود الموضوعي للقبح ، فالقبح عرض والحسن جوهر . واحتمال وجود القبح تحد لحرية الانسان ودافع على ممارستها .

--> ( 77 ) عند النظام كل معصية كان يجوز أن يأمر الله بها فهي قبيحة للنهي ، وكل معصية كان لا يجوز أن يبيحها الله فهي قبيحة لنفسها كالجهل به والاعتقاد بخلافه وكذلك كل ما جاز أن يأمر الله فهو حسن للامر به وكل ما لم يجز الا أن يأمر به فهو حسن لنفسه ، مقالات ج 1 ص 43 .