حسن حنفي

416

من العقيدة إلى الثورة

عليها هذا الرأي ضعيفة . فلا يعنى وقوع الافعال اضطرارا أنها لا صفات لها من حسن أو قبح لأنها تصف الأفعال الاختيارية وليس الافعال الاضطرارية سواء كان هذا الاضطرار بدنيا أو اجتماعيا ، فحرية الافعال شرط اتصافها بالحسن والقبح وان تفاوت الصفات في الافعال بين الخفة والثقل لا ينفى الصفات بل يثبت ارتباطهما بالافعال وبالقدرة عليها وفي دخولها فيما يطاق . كما أن تغير الفعل من حسن إلى قبيح مثل القتل قد يكون ظلما في حالة الاعتداء وعدلا في حالة الدفاع عن النفس لا يعنى انكار الحسن والقبح الذاتيين بل يعنى أن الافعال تتم في موقف ، وأن الصفة تكون في موقف ، وأن الافعال تتحدد في موقف . لا يعنى تغيير الافعال انكار الصفات الذاتية بل تغير الظروف والقاعدة باقية . كما أن اختلاف الافعال بين النية الأولى والإرادة المسبقة وبين الافعال بعد تحققها لا يرجع إلى نفى الصفات بل إلى المسافة بين النية والفعل ، بين القصد والمتحقق . فالأولى أكثر رحابة وامكانية واتساعا من الثانية . النية تحتوى على عدة احتمالات في حين أن التحقق لا يكون الا احتمال واحد . كما أن اختلاف الحكم عن الواقع لا يعنى نفى لصفات بل يعنى فقط الصدق أو الكذب المنطقي بالمعنى التقليدى أي اتفاق الفكر مع الواقع أو المفهوم مع الماصدق . وقد يعنى الصدق والكذب في الخبر ككل وليس في كل حرف أو في كل كلمة ، والصدق في الخبر مثل الصدق في المنطق يقوم أيضا على التطابق بين الخبر في القضية وبين الواقعة كحادثة . ولا يتطلب وجود المعنى أن يكون قائما بمعنى ، وهذا بثالث مما يلزم قيام المعنى بالمعنى إلى ما لا نهاية فذاك جدل يقوم على التسلسل الطولى واستحالته نظرا لضرورة وجود ما لا أول له ، وما لا آخر له وهو فكر ديني لاهوتى مقلوب وليس حجة عقلية وفكرا منطقيا يقوم على بنية العقل ومنطق الفكر المستقل الدائري الّذي لا يعتمد الا على ذاته ، منطق خالص لا يحتاج إلى وجود « 51 » .

--> ( 51 ) استدل الأشاعرة بأدلة شتى منها ما يستلزم أن الحسن والقبح ليسا ذات الفعل فقط ومنها ما يدل على أنهما ليسا ذاته ولا لجهة فيه ،