حسن حنفي
40
من العقيدة إلى الثورة
2 - هل أفعال الشعور الداخلية أفعال جبرية حرة ؟ وقد يخفف الجبر قليلا وتقترب أفعال الشعور الداخلية من الافعال الحرة وذلك بالتقليل من أسباب الجبر وبواعثه وفي مقدمتها العلم الإلهي المسبق عن طريق التمييز بين العلم الشامل والعلم التفصيلي . فالله يعلم كل المرادات على الجملة لا على التفصيل حيث تتفصل الوقائع وتتحقق كوقائع جزئية متفردة . ففي الجزئيات هناك مكان لحرية الافعال وليس في الكليات . وعيب هذا الحل أنه يجعل العلم الإلهي منقوصا ، ويجوز الجهل على الله ، وهو ما ينكره المتكلمون على الفلاسفة واتهامهم لهم من انكار لعلم الله بالجزئيات . كما أنه يجعل إرادة الله منقوصة باخراج أفعال البشر من شمولها ومن ثم لامكان لنقد حرية أفعال العباد . ثم إن الانسان يبدو حرا ولكن متخفيا متلصصا من تحت الإرادة أو من وراء العلم الإلهي وليس كحق من حقوقه . ومن ثم ينتهى هذا الحل باقلاله من التوحيد والنيل منه وبعدم الوصول إلى العدل كحق انساني « 68 » . ويمكن فهم نظرية الكسب أيضا على هذا النحو ولكن على مستوى الإرادة وليس على مستوى العلم إذ يمكن الجمع بين الإرادتين على طريقة
--> ( 68 ) هذا هو قول محمد بن عبد الله بن سعيد وكثير من الأشاعرة : إذ يقول أن الله أراد حدوث كل الحوادث خيرها وشرها لا على التفصيل ، أنه أراد الكفر والمعاصي الكائنة وان كانت من جملة الحوادث التي أراد كونها في الجملة . كما تقول عند الدعاء يا خالق الأجسام ويا رازق البهائم والانعام كلها ولا نقول يا رازق الخنافس والجعلان ، يا خالق القردة والخنازير والدم والنجاسات . . . الأصول ص 104 - 105 ، ومنهم من لا يجوز استناد الكائنات إليه مفصلا لايهامه الكفر ، المواقف ص 320 - 323 ، كما يصح أن يقال الله خالق كل شيء ولا يصح أن يقال أنه خالق القاذورات وخالق القردة والخنازير وكما يقال له كل ما في السماوات والأرض ولا يقال له الزوجات والأولاد لايهامه إضافة غير الملك إليه . ويوافق محمد بن عبد الله بن مرة بن نجيح الأندلسي المعتزلة في القدر ويقول إن علم الله وقدرته صفتان محدثتان مخلوقتان وأن لله علمين : أحدهما أحدثه جملة وهو علم الكتاب ، وهو علم الغيب كعلمه أنه سيكون كفار ومؤمنون والقيامة والجزاء ونحو ذلك ، والثاني علم الجزئيات وهو علم الشهادة وهو كفر زيد وايمان عمر ونحو ذلك فإنه لا يعلم الله من ذلك شيئا حتى يكون ، الفصل ج 5 ، ص 40 .