حسن حنفي
395
من العقيدة إلى الثورة
عقل سليم ادراكها . فالبشر متساوون في العقل دون ما حاجة إلى شارع متحكم في العقول « 20 » . ثم زادت التناسخية على الصابئة درجة أكثر في التخصيص بالتركيز على النوع الانساني وحده ، صاحب الأفعال الاختيارية والنطق والعقل في العلوم ، والقدرة على الارتفاع عن الدرجة الحيوانية إلى الدرجة الانسانية أو الملكية أو إلى النبوة . ويكون الارتفاع والهبوط نتيجة أو جزاء لافعاله . ليس الحسن ولقبح من الشرع ولا من العقل بل من الصور الحيوانية أو الانسانية التي تتراءى للانسان ، ولا شيء يحدث من ثواب وعقاب خارج العالم . والحقيقة أن هذه النظرية انما ترمز على نحو كونى حسى اسطورى إلى عدة حقائق . فالخير والشر بعدان للوجود . وهما في حقيقة الامر اسقاط لاحكام الافعال الخمسة في علم أصول الدين على الوجود . فالحسن والقبح في الافعال وليس في الموجودات . وان موضوعية القيم التي تركز عليها النظرية لا تعنى بالضرورة وجودا شيئيا . فالوجود قد يكون شعوريا كمعان مستقلة ومناطق وجود في الشعور . أما تشخيص القيم فإنه يحدث نتيجة الفكر الأسطوري الّذي يمتزج فيه العقل بالاشراق ، والفلسفة بالتصوف كما هو الحال في الفلسفة الاشراقية . والشيطان تجسيم للشر وصورة فنية له تشير إلى القبح كصفة للفعل أو كوضع اجتماعي . فالشر لا صانع له بل هو بناء اجتماعي أو فعل في موقف انساني دون ما حاجة إلى ارجاع ظواهر الوجود إلى علة خارجية « 21 » . وان اثبات الوجود الموضوعي للخير حق ولكن الخطأ في اثبات الوجود الموضوعي للشر . ولا يعنى ذلك اثبات وجودين ، وجود الأشياء ووجود الخير بل هو وجود واحد لان الخير طبيعة الأشياء والشر طارئ عليه ، والحسن هو الأصل والقبح غياب له أو احدى درجاته . ان اثبات
--> ( 20 ) هذا هو موقف الصابئة ، النهاية ص 377 - 378 ، ص 394 - 395 ، الغاية ص 232 . ( 21 ) يتهم الأشاعرة القدرية بأنهم زعموا أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر ، الإبانة ص 7 .