حسن حنفي

379

من العقيدة إلى الثورة

التحقيق ، قوة معنوية تطلق من حدوده البدنية وتجعله أقوى من السماوات والأرض والجبال « 676 » . وكما تم هذا التكليف بحرية الانسان وبإرادته فإنه في الوقت نفسه يتحقق بحرية تامة دون قدر مسبق في علم مسبق أو بإرادة شاملة لوجود مطلق تفعل كل شيء . ان هذا التكليف ذاته عملية تحرر لولاها لارتكن الانسان إلى بدنه ، وتحول إلى طبيعة خالصة كسائر الموجودات ولاصابه الوهن والثقل واعتراه الخمول والسكون « 677 » . وقد يعبر عن رسالة الانسان في الحياة فنيا بالصورة فتنشأ الأخرويات وتكون الحياة الدنيا دار عمل والأخرى دار جزاء . وقد تتحول رسالة الانسان في الحياة إلى صورة كونية أخرى فينشأ في الوجود غافلا ويستمر كذلك في جو من النعيم الدائم كالملاك . ثم يختار البعض منهم رسالته ويأتي إلى الحياة ليحققها . فمن حقق رسالته ارتفع إلى أعلى عليين في مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم لأنهم حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم . وإذا لم يحققوا الرسالة هبطوا أسفل سافلين . تسلب منهم الرسالة ويتحولون إلى أقل مرتبة في الوجود ، وهي مرتبة غياب الوعي وانعدام حياة الشعور . ثم تعطى لهم فرصة ثانية للاختيار والتكليف . وهكذا تستمر الحياة تكليفا برسالة ونجاحا أو فشلا في التحقيق ، بلا نهاية وبلا يأس ، وتسمر العملية طالما بقي الزمان « 678 » . وتحقيق رسالة الانسان في الحياة تعبير عن طبيعته وحريته دون انتظار أي جزاء . يكفى كمال الانسان وازدهاره ، وخلقه وابداعه ،

--> ( 676 ) عند الجبائي تعنى أن الله يمتحن عباده ويختبرهم هو أنه يكلفهم ، مقالات ج 2 ص 201 . ( 677 ) يقول هشام بن الحكم الرافض : لو كان الله عالما بما يفعله عباده لم تصح المحنة والاختبار ، مقالات ج 1 ص 108 . ( 678 ) هذا هو رأى أحمد بن خابط وأحمد بن بانوش ، الملل ج 1 ص 94 ، الفرق ص 275 - 276 ، وأنظر أيضا الفصل العاشر ، مستقبل الانسانية ( المعاد ) .