حسن حنفي
374
من العقيدة إلى الثورة
الفرح والسرور عند الآخر ، ولا يفرح الآخر أو يسر قبل أن يفعل الانسان الخير . ويحزن الآخر ويأسى إذا فعل الانسان الشر ، ولا يحزن الآخر ويأسى قبل أن يفعل الانسان الشر . مهمة الوحي الايحاء للانسان بأن هناك قدرة في الكون قوى من كل قوة طبيعية أو انسانية أخرى ، بمعنى أن لا شيء في هذا العالم بمستعص على الحركة والتغير . فيتمثل الانسان حريته ويغير بناء واقعه . فلا شيء بثابت في هذا العالم ، وكل شيء خاضع لإرادة عامة ، هي الإرادة التي يتحد بها الانسان بسيره وفق طبيعة الأشياء ومسار التاريخ . مهمة الوحي الايحاء للانسان بأن الطبيعة عاقلة ، وأن الانسان يعيش في عالم من المعاني . وأنه لا يوجد شيء في هذا العالم بلا سبب أو غاية . رسالة الانسان قائمة على وجود سبب هو أنه ليس من طبيعة الأشياء وليس على مستواها . لذلك فهو سيد الكون ، وأنه كلما تأمل في حياته وجد أنه بقدرته قادر أن يفعل كل شيء وأن يكون سيدا مطلقا في هذا الكون . والسبب قد يؤدى إلى الغاية . فالانسان يعيش في هذا العالم لغاية . فهو رسالة ، والكون غاية . والايحاء بأن هناك قدرة شاملة تعم كل شيء ، تعنى أن الرسالة موضوع قوة وصراع شامل يوجهه الانسان لتحقيق رسالته . ولما كان الوحي موجها نحو الانسان ومعطى له فهو قصد انساني موجه إلى الانسان كغاية . الوحي والانسان معا غاية واحدة موجهة نحو العالم . كيف اذن يحاول عالم الكلام أن يتصور أن إرادة الوحي وإرادة الانسان يسيران وجها لوجه في اتجاهين متعارضين ، كل منهما يقابل الآخر ويقف له بالمرصاد ؟ هذا القلب المبدئى هو سبب هذا التراث العريض من النظريات والحجج لحل مشكلة وهمية لا وجود لها ناتجة عن وضع خاطئ لعلاقة إرادة الوحي بإرادة الانسان حتى يظهر الصراع بالقيام بمعركة في الهواء تتم في خيال المتكلم وتعبر عن عجزه في الواقع ، وعلى سيطرة الانفعال على عقله ، وعلى أنه يعيش في عالم حسى خالص . كل ذلك ناشئ عن الوهم بأن الطرف المقابل للحرية هو الله وليس الموقف ، وأن الله هو ميدان الحرية وليس الطبيعة ، وأن الإرادة الإلهية هي التي تقف للحرية بالمرصاد وليست صنوف القهر وأنواع العقبات التي تمنع الانسان من التحرر .