حسن حنفي

375

من العقيدة إلى الثورة

ب - نظرية أم موقف ؟ ان الجبر والاختيار في واقع الامر ليسا نظريتين مبدئيتين بل موقفان سياسيان كل منهما يحاول أن يجد تبريرا نظريا له بالاعتماد على النقل أولا ثم على التعقيل ثانيا . الموقف الأساسي موقف سياسي يكشف عن صراع قوى سياسية واجتماعية متناحرة من أجل السلطة والحكم ، موقف السلطة وموقف المعارضة ، موقف الحاكم وموقف المحكومين . والجبر والاختيار من أولى المشاكل التي ظهرت في الجماعة ليس كموضوع نظري فحسب بل كدلالة عملية وبوجه خاص كطرح سياسي . فإذا ما أراد الحاكم أن يتسلط وأن يتحكم بلا بيعة أو شورى فإنه سرعان ما يجد مبرر له في الدعوة إلى الجبر في أفعال العباد ، والحرية المطلقة لإرادة شاملة يتمثلها الحاكم حتى يصعب بعدها التفرقة بين إرادة الله وإرادة السلطان . فكما أن الله حر يفعل ما يشاء فكذلك السلطان يفعل ما يريد . وكما لا يجبر الله على الشيء فكذلك لا يجبر السلطان على شيء « 671 » . أما انكار القدر وإضافة الخير والشر إلى الانسان فإنه يعطى الانسان مسؤولية ويجعله مسؤولا عن كل ما يحدث في الواقع من أنظمة . فالحاكم مسؤول ، والرعية مسؤولة . ويمكن التعامل بينهما على قدم المساواة . لا يوجد قدر خارجي يجعل من الحاكم حاكما أو يملى عليه أفعالا لا يعترض عليها . ولا يوجد قدر خارجي يجعل الرعية ساكنة مطيعة للحاكم وكأن الحاكم قدرها « 672 » . نظريات الجبر أو الكسب أو الحرية لها وظيفة في كل عصر سواء من حيث النشأة أو من حيث الغاية . فهي تنشأ تعبيرا عن المجتمع وصراع القوى فيه . فإذا كان مجتمع ضغط وارهاب تنشأ نظريات الجبر لتبرير

--> ( 671 ) وهذا يفسر تعاون بعض متكلمي المعتزلة مع السلطة الأموية ودعوتهم لها . فقد زاد عمرو بن عبيد في مسائل القدر ، وكان من دعاة يزيد الناقص أيام بنى أمية ثم والى المنصور ، وقال بإمامته ومدحه المنصور يوما فقال نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو ، الملل ج 1 ص 40 . ( 672 ) حدثت في أواخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الاسوارى في القول بالقدر وانكار الخير والشر إلى القدر ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان تلميذ الحسن البصري ، الملل ج 1 ص 39 - 40 .