حسن حنفي

250

من العقيدة إلى الثورة

هذا الموقف في الحقيقة يكشف عن البناء النفسي للقائل أكثر مما يحتوى على إجابة موضوعية أو اقرار حقيقة . ويتلخص هذا لبناء النفسي في الاحساس بالضعف ثم في الرغبة في التستر عليه أو تقويته باللجوء إلى قوة أعظم . وهنا يفترض الانسان قوة أعظم من قوته وحقا أكثر من حقه وكأنه لما لم يستطيع أن يكون انسانا أصبح أكثر من انسان ! ويحدث ذلك تعبيرا عن عجز الانسان بالضد عن طريق التعويض واعطائه قوة أعظم منه . واثبات ذلك في الحقيقة وقوع في التشبيه ، تشبيه الله بالسلطان القاهر وتدمير الحرية الانسانية . كما أنه اعلاء للانسان إلى درجة الله وجعل قدرته مساوية لقدرة الله ومشاركته في الخلق معه ، وهو غير المقصود منه مما يدل على أن عواطف التأليه والتعظيم والاجلال عواطف عمياء هو جاء ، مناقضة لنفسها ، تعمل ضد مقاصدها . وبالرغم من ذلك تظل قدرة الانسان محدودة ، فالله أقدر منه . وان ما يبدعه الانسان يلحقه الكون والفساد في حين أن ما يبدعه الله لا يلحقه الكون والفساد حتى يظل الله متقدما على الانسان ولو بدرجة واحدة . كما أنه ابطال للخلق ، ودلالة الخلق على الخالق ووحدانيته ، واثبات للشركة فيه بين الله والانسان . فالاثبات يؤدى إلى غير المقصود منه . ويدل على نقص في النظرة العلمية ، وتحليل الأشياء بالرجوع إلى علل خارجية وليس من باطنها وكأن الظواهر الطبيعية في يد إرادة قاهرة تسيرها كيفما تشاء ، تقلب الحجر ذهبا والعصى ثعبانا . وأن تفسير النشأة الطبيعية للكون لا يحدد من سلوك الانسان ، فخلق الكون شيء وخلق الفعل شيء آخر . وكيف يسلب من الانسان فعله وهو حي ويعطى له وهو ميت ؟ قد يبلغ التعظيم مداه على حساب الانسان عندما يكون المعبود قادرا على خلق انسان ميت قادر ! وهذا في الحقيقة تعبير عن عواطف التأليه والغاء للموقف الانساني من أجل التأليه لدرجة افتراض المستحيل عمله ثم من أجل اثبات المؤله وحده قادرا على فعل المستحيل مثل فعل الأجسام أو خلق الحياة أو الموت . ان الانسان لا يفعل الا في موقف انساني ولا تظهر قدراته الا في مستواها . وان عدم القدرة على السير في الهواء أو التنفس في الماء ليس نقصا في القدرة ولكنه اخراج للقدرة عن مستواها . السؤال اذن من أوله سؤال خاطئ بالنسبة إلى الواقع وإلى حدود القدرة الانسانية