حسن حنفي

184

من العقيدة إلى الثورة

والعلم والاعتقاد فإنها أيضا لا تحدث الا داخل حدود الطاقة والاستعداد . فالقادر على علم شيء لا يقدر على علم كل شيء . ولا يوجد علم مسبق بما سيحدث في المستقبل الا بطريق التنبؤ . وهو احتمال خالص . ومن ثم التكليف بالرسالة واقع على البشر سواء فهم من حققها أو لم يحققها . صحيح أن الانسان في موقف ، والموقف يعطيه البواعث ولكن ذلك لا يعنى أن الموقف والبواعث معا أكبر من طاقة الانسان وأنها ضد التكليف بالضرورة . ويمكن للانسان بحريته تحويل الموقف لصالحه « 320 » . وما ذا يحدث لو خلقت القدرة على فعل شيء ليس الانسان مستعدا له أو قادرا عليه ؟ لو حدث ذلك لفعل الانسان ضد طبيعته وضد قدرته ، وبالتالي تضيع حريته الذاتية وتصبح أفعاله مملاة عليه من الخارج وفوق حدود الطاقة « 321 » . وإذا جاز لافراد قلائل لحماسهم للرسالة ولشدة الباعث على الفعل القيام بأعمال تكون في حكم العادة خارقة للعادة ، كما يحدث ذلك من عباقرة التاريخ وأبطال الشعوب فان هذه الأفعال تدخل في حدود الطاقة ولكنها

--> الكافر بالايمان وتكليف ما لا يطاق نظرا لمقارنة القدرة بمقدورها . وهو أيضا قول ابن بشر وأصحابه ، الشرح ص 400 ، ص 198 ، وعند بعض الأباضية والخوارج ، يحيى بن كامل ومحمد بن حرب وإدريس الأباضي ان الله كلف العباد على ما لا يقدرون عليه لتركهم له لا لعجزهم عنه ، مقالات ج 1 ، ص 134 . ( 320 ) وعند الجويني يأمر الله الكافر بالايمان ، وذلك جائز عقلا وواقع شرعا عند الأشعري ، الارشاد ص 227 - 228 ، وقال أهل السنة لا يمتنع تكليف ما لا يطاق لثلاثة أسباب : أ - علم الله تعالى من بعض الكفار أنه يموت على كفره . فإذا كلفه بالايمان فقد كلفه بفعل الايمان مقارنا للعلم بعدم الايمان ، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين . ب - أن الله كلف أبا لهب بالايمان ، ومن الايمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن أبدا فيلزم أنه كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، وهو جمع بين النقيضين . ج - أن القدرة والداعية على الكفر من الله مجموعهما يوجب الكفر فإذا كلفه بالايمان فقد كلفه بما لا يطاق ، معالم ص 82 - 83 . ( 321 ) لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالايمان تكليفا لما يطاق إذ لو أطاقه لوقع منه فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر ، وتكليف ما يطاق قبيح ، والله لا يفعل القبيح ، الشرح ص 396 .