حسن حنفي

141

من العقيدة إلى الثورة

والحقيقة أن الفعل المروى دليل على حرية الانسان لا على خلق غيره . لما كان الانسان حرا فان حريته تتعدى حدود تخطيطه وقصده ولكن يظل الفعل غير المروى في نطاق الحرية « 247 » . وما الحكمة من تدمير القصد ؟ وهل تنتهى كل الافعال القصدية إلى هراء وعبث ؟ وهل كان كل تخطيط انساني مسبق مصيره إلى الفشل ؟ فإذا ما تم فعل قصدي يظل الاصرار قائما في نظرية الكسب من أن الانسان ليس صاحبه وكأن الانسان مهما فعل فعلا قصديا أو غير قصدي ومهما أوتى من جهد وبذل من مجهود فإنه لن يكون صاحب فعله في نهاية الامر . يقف له المتكلم الأشعري بالمرصاد لينتزعه منه ويسلبه إياه ويعطيه لغيره . ويكون السؤال لحساب من يعمل المتكلم ، لحساب الانسان أم لحساب غيره ؟ وما ذا سيكسب نظير هذا السلب ؟ أسلطة دينية ومنصبا وزاريا وترؤسا على رقاب العباد ينتهى بالثورة العارمة من الجماهير عليه وعلى أصحابه ورؤسائه وعلى السلطة بأكملها تأكيدا لحرية الانسان وحرية الشعب ، ورفعا للوصاية ، وتحررا من كل صنوف القهر والتبعية ؟ ومع ذلك فالفعل الواقع بخلاف القصد ليس هو الفعل الأمثل كالفعل المروى المقصود . ولكن تعتبر نظرية الكسب أن الفعل غير الفعل غير المروى فعل حقيقي لأنه مخلوق من المؤله المشخص . الكسب هنا هدم للعلم والعقل وللدليل وللنظر وكأن وقوع الفعل من

--> ( 247 ) فان احتجوا فقالوا : وجدنا أفعالنا واقعة حسب قصدنا فوجب أن يكون خلقا لنا وفعلا لنا وبيان ذلك أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام وإذا أراد أن يقعد قعد ، وإذا أراد أن يتحرك تحرك وإذا أراد أن يسكن سكن وغير ذلك . فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى ارادته دل على أن أفعاله خلق له . فالجواب من وجهين : أ - نرى من يريد شيئا ويقصده ولا يحصل ما يريد ولا ما يقصد فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ويمرض ، وربا ابتاع سلفة ليربح فيخسر ، وربما أراد القيام فيعرض ما يمنعه إلى غير ذلك فبطل ما ذكرتموه ، وصح أن فعله خلق لغيره يجرى على حسب مشيئة الخالق وانما يظهر كسب لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة والخلق من الخالق . ب - وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم لا يدل على أنه خلق لهم واختراع . . . وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد حصوله على حسب قصده لا يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو الله ، الانصاف ص 153 - 154 ، فرب فعل يقع على حسب القصد وربما لا يقع على حسبه ، الارشاد ص 201 .