حسن حنفي

111

من العقيدة إلى الثورة

وهو في الحقيقة تشخيص عواطف التأليه ثم تصور وجود شخص مؤله له قدرة شاملة وعلم محيط يتدخل في حوادث الكون ويتحكم في مصائر البشر ويوجه أفعال الانسان كحق مطلق وكواقع مثبت . يستطيع أن يفعل أي شيء أراده الانسان أم لم يرده . يستطيع أن يمنع أي شيء من الوقوع أراد الانسان حدوثه أم لم يرده . يستطيع أن يعدم الانسان ذاته بعد وجوده وأن يوجده بعد عدمه . لا يبقى أمام سلطانه قانون ثابت ، ولا عالم قائم . كل شيء يخضع لإرادته ومشيئته . يستطيع أن يجعل الثلج نارا ، والنار ثلجا أو أن يقلب الحجر ذهبا والعصى ثعبانا ، وأن يطلق الأشياء في الهواء دون أن تقع ، وأن يوقف السهم في الجو دون أن يصيب ، وأن يعاقب المحسن ويثيب المسىء ، لا راد لحكمه ولا رافع لقضائه . ما دامت هذه هي البداية فيستحيل اثبات فعل الانسان الحر وارادته المستقلة لان البداية بداية نظرية وليست أمرا واقعا . وهي مقدمة تشمل الموقف والنتيجة معا ولا يمكن بعدها اثبات شيء لأنها تتعلق بالشرعية الأولية والحق النظري الأول . هي بداية تحتوى على حل مسبق هو الغاء وجود الانسان المستقل وفعله الحر . وبالتالي فالجبر ليس وصفا للفعل الانساني بقدر ما هو قرار مسبق مبنى على شرعية أولية هي في الوقت نفسه أساس كونى . وقد فرق الفقهاء من قبل بين إرادة التكوين وإرادة التشريع ، الأولى كونية لا مرد لها والثانية تشريعية تعطى الامر ولا توجبه ، وتفسح المجال أمام الانسان للفعل الحر والإرادة المستقلة . حينئذ يكون السؤال : ما ذا يبقى من الانسان لو عدم وجوده ؟ ما ذا يبقى منه لو قضى على فعله ؟ ما ذا يبقى منه لو سلبت حريته ؟ ولحساب من ؟ ولما كنا نعلم من التوحيد أن عواطف التأليه هي في أساسها عواطف تنشأ في ظروف اجتماعية معينة إذ ينشأ التأليه والتجسيم في مجتمع مضطهد

--> لو لم يكن متصفا بها لزم * حدوثه وهو محال فاستقم لأنه يفضى إلى التسلسل * والدور هو المستحيل المنجلى الخريدة ص 23 - 27