عبد القاهر بن طاهر البغدادي

116

الملل والنحل

كما ترون القمر ليلة البدر » « 1 » . وانما سمي المسيح لأنه تدرع جسد انسان ، وكان قبل تدرعه إياه عقلا ، وهو العقل الذي خلقه اللّه تعالى أولا وقال له : « اقبل ، فاقبل ، وادبر ، فادبر . فقال : بك أعطي وبك آخذ » « 2 » . وزعم أيضا ان في الطير أنبياء منها ، وكذلك في البق والبعوض وسائر الحيوانات ، لقوله : وان ( ما ) « 3 » من أمة ( الا ) خلا فيها نذير . وقوله : ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم . وقال ( لعنه ) اللّه « 4 » بالتناسخ . وزعم أن اللّه تعالى ابتدأ الخلق في الجنة ضربة واحدة ، وانما خرج من خرج منها بالمعصية . ثم إنهما طعنا في النبي صلى اللّه عليه وسلم من أصل انكحته ، وزعما ان أبا ذر الغفاري كان أنسك / أمته وازهد . وقال إن كل من نال خيرا في الدنيا فإنما ناله بعمل كان منه ، ومن ناله مرض وآفة فبذنب كان منه ، وما سمح الناس بذبحه فلانه كان قتالا ، وما امتنعوا من ذبحه فلانه كان في بدء امره عفيفا عن الدماء . وزعما ان البغلة عوقبت بالعقم لأنها كانت في بدء خلقها زانية ، وصار التيس وثابا على الإناث جزاء له على عفته من قبل . وقالا إن التكرير لا يزال قائما في الدنيا إلى أن يمتلئ مكيال الخير أو مكيال الشر . فإذا خلص العمل طاعة نقل صاحبه إلى الجنة ، وان خلص معصية نقل صاحبه إلى النار .

--> ( 1 ) وفي البخاري : « انكم سترون ربكم » الحديث - والعرب تضرب المثل بالقمر في الشهرة والظهور ، وليس المراد التشبيه في التدوير والمسير والحد كما في « مختلف الحديث » لابن قتيبة ( هامش رقم 3 ص 166 من طبعة الكوثري لكتاب « الفرق » ) . ( 2 ) جاء في كتاب « الفرق » ( بدر ص 261 ، الكوثري ص 166 ، عبد الحميد ص 277 ) : « ان اللّه تعالى خلق العقل فقال له : أقبل فاقبل . وقال له : أدبر فادبر . فقال : ما خلقت خلقا أكرم منك وبك أعطي وبك آخذ » . ( 3 ) تضاف ( ما ) لاستقامة المعنى وتحذف ( الا ) . الكلام ابتداء من « وزعم أيضا ان في الطير أنبياء . . . إلى النار ، في آخر الصفحة » غير وارد في كتاب « الفرق » في ذكر هذه الفرقة . ( 4 ) في المخطوط : وقال اللّه : لا شك في أن لفظ « لعنه » ساقط هنا قبل « اللّه » .