القاضي عبد الجبار الهمذاني
69
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ويلزمهم متى قالوا : إن نقل ذلك لا يوجب العلم إذا لم يكن هناك إمام ، أن لا يعلم بيان الشرائع بالنقل ، وفساد ذلك يبين بطلان هذا القول . وبعد فإنه يلزمهم إثبات إمام في كل بلد وعند كل فريق ، وبحيث يتمكن كل أحد من معرفة ما أبيح له من قبله . وفي ذلك إثبات حجج دائمة وإبطال علمهم . ومتى قالوا : إن بعضهم يعلم ما أبيح له بالنقل عن الإمام وإن غاب عنه ، يلزم بمثل ذلك الغنى عن إمام ، بأن يعلم ذلك بالنقل عن الرسول على ما بيناه . وبعد فإن مع القول بالإمام قد اختلفوا في الحظر والإباحة ، فلزمهم الحاجة إلى إمام آخر . ومتى قالوا بالاستغناء عنه من حيث يتمكن من الدليل ، وجب بمثله الاستغناء عن الإمام من حيث يتمكن من معرفة المباح بالعقل والشرع . شبهة أخرى لهم / وربما سألوا فقالوا : ما يوجب الحاجة إلى الرسول والنبي من بيان الشرائع والدعاء إلى الطاعة إلى غير ذلك ، يوجب الحاجة إلى من يقوم مقامه في حفظ شريعته ويسد مسده ؛ لأنا قد علمنا أنه لا أحد من أمته إلا وقد يجوز أن لا يحفظ البعض أو الكل ، وحال جميعهم كحال كل واحد منهم ، فلا بد ممن يقوم بحفظ ذلك ، وأن يكون معصوما يؤمن منه الغلط والسهو والكتمان ؛ لأن تجويز ذلك عليه ينقض القول بأن الشريعة لا بد من أن تكون محفوظة . وفي ذلك إثبات الحاجة إلى إمام في زمان ، أي لا فرق بين وجوب حفظ الشريعة حتى لا تندرس وبين وجوب موردها أولا ، فإذا لم يتم حفظ ذلك إلا بوجود إمام معصوم فلا بد من القول به . واعلم أن التعلق بذلك في أنه لا بد من حجة في كل زمان لا يصح ، لأنه قد يجوز عندنا خلو التكليف العقلي من الشرعي على ما بيناه من قبل ؛ فإذا لم يكن شرع لم تجب الحاجة إلى حجة في الزمان . وإنما يمكن التعلق بذلك في أنه لا بد من حجة بعد وجود