القاضي عبد الجبار الهمذاني
66
المغني في أبواب التوحيد والعدل
لأنه أقدر عليه ، ويستغنى عن الحجة ؟ وما الّذي يؤمنكم أن يكون قد فعل ذلك في بعض الأزمنة ؟ وكيف يمكنكم القطع على أنه لا بد في كل زمن من حجة ؟ فإن قالوا : إنه نبّه ويدعو إلى الاتفاق ، والأدلة قائمة من غير جهته . قيل لهم : أليس قد تنبهوا من ذي قبل ، وقد يغنى عن ذلك العلماء ، وقد ينبه بعضهم بعضا ، ولو لم يوجد كل ذلك كانوا يقدرون على الوصول إليه ، فلا يجب لأجل تقصيرهم إثبات حجة ، فلو وجب ذلك لوجب إثبات حجج حتى تحضر الحجة عند كل مخالف للحق في كل وقت ، وقد بيّنا ما يكون في ذلك من وجوه الفساد . فإن قالوا : إنه يبين ما يزول به الخلاف ، ولولا بيانه لم يمكنهم التبين أو ثبات « 1 » أن التبين « 2 » من وجوه ممكن بما نصبه اللّه جل وعز من الأدلة ، وأعطاهم من القدرة والأدلة والبصيرة وبينا لهم أن مع ذلك إن لم يمكن موافقة الحق مع وجود الحجة وبيانه ، بأن لا يمكن ذلك أولى . وبينا لهم أن بيان الحجة إن كان في باب العقليات فالبيان متقدم ، وإن كان في باب الشرعيات فقد لا يكون لطفا أصلا . وبينا لهم أن ذلك لازم في العلم بنفس الإمام ؛ لأن الاختلاف فيه قائم ، ولا يمكن أن يرجع في بيان ذلك إليه . ومتى قالوا : نرجع في بيانه إلى المعجز ويستغنى به عن الحجة ، لزمهم الاستغناء بسائر الأدلة عن الحجة . وقد بينا أن ذلك لا يرجع علينا في النبوات وليس للبعض إليها سبيل .
--> ( 1 ) هذه الكلمة غير بينة تماما في الأصل لانبهام الحرف الأخير فيها . ( 2 ) العبارة في الأصل هكذا ( أن التبين في ذلك من وجوه الفساد ممكن ) ولكن كلمات ( في ذلك ) و ( من ) و ( الفساد ) عليها شطب خفيف . وربما امتد الشطب إلى كلمة ( من ) بدون قصد ؛ لذلك أخرجناها من المشطوب لحاجة الكلام إليها .